عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

223

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الهياكل تلحق بالبساطة وهو حقيقة الموت ، فإذا تجسدت كان ذلك التجسد لها وجودا ، ولكن ما دامت في ذلك التجسد مقيدة بلوازم الجسد فهي في البرزخ ، لأنها قاصرة عن جميع ما تقتضيه الروح في الإطلاق الروحاني ، فإذا أراد اللّه بعثها إلى القيامة أطلقها عن مقتضيات الجسد فصارت في أرض المحشر . ثم الإطلاق إنما كان على حسب ما كانت عليه في الدنيا ، فإذا كانت في الدنيا على الخير كانت مطلقة على الخير ، وإن كانت في الدنيا على الشرّ كانت مطلقة في الشرّ ، لأنها لا تطلب بإطلاقها إلا ما كانت عليه في دار الدنيا وهو قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 1 » . واعلم أن نسبة كون الأرواح المتعددة مخلوقة من نور الحق هو نسبة الشعاعات المختلفة المضيئة من شعاع الشمس ، ونسبة ما يدعيه المحققون من واحدية العالم نسبة واحدية الشمس ، ولو ظهرت في تلك الزجاجات على اختلافهن فهي واحدة لم تتعدد ولم تتنوّع في نفسها . ولو تنوّعت المظاهر . ويكفي هذا القدر من التنبيه على هذا الأمر ، لأنا قد بينا كيفية قبض الأرواح وكيفية إتيان عزرائيل للقبض في بابه مما سبق من الكتاب . واعلم أن أحوال الناس في البرزخ مختلفة ، فمنهم من يعامل فيه بالحكمة ، ومنهم من يعامل فيه بالقدرة . ومن يعامل بالحكمة فإنه ينقلب في البرزخ في حقيقة عمله في الدنيا ، فإذا كان مثلا مطيعا في الدنيا فإن الحق تعالى يخلق له في البرزخ معاني الطاعة صورا ، فينتقل من صورة طاعة يقيمها اللّه تعالى إما صلاة وإما صوما وإما صدقة وإما غير ذلك إلى صورة أخرى من الطاعات . ولا يزال ينتقل من عمل حسن إلى عمل آخر إما مثله وإما أحسن منه كما كان في الدنيا إلى أن تبدو عليه حقائق الأمور فتقوم قيامته . ثم إن حسن تلك الصورة وبهجتها وضيائها على حسب قدر طاعته واجتماع خاطره فيها وحسن مقصده في ذلك العمل ، وقبح الصورة على قدر قبح ذلك العمل ، فلو كان مثلا ممن يزني أو يسرق أو يشرب الخمر فإن الحق تعالى يقيم له معاني تلك الأفعال صورا ينتقل فيها ، فيختلق للزاني فرجا من نار يلج فيه ذكره وحرارة ناره ونتانة ريحه على قدر قوّة انهماكه في تلك المعصية ، وكذلك يقيم للشارب كأسا من نار فيه خمر من نار فيشربه وينتقل منه إلى مثل ما كان

--> ( 1 ) آية ( 39 ) سورة النجم .