عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

224

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

ينتقل إليه في دار الدنيا ، ومن كان بين طاعة ومعصية فإنه ينتقل بينهما ، أعني من صورة تلك المعاني التي خلقها اللّه تعالى إما من نور كما يخلق الطاعات ، وإما من نار كما يخلق صور المعاصي ، فلا يزالون ينتقلون فيه وتبدو لهم بتوالي الانتقال حقائق الأمر شيئا فشيئا إلى أن يتم عليهم أحد الحكمين فتقوم عليهم القيامة . وأما من عوامل بالقدرة فإنه لا يقع في معاني أعماله ، ولكن يقع في معاني صورتها بالقدرة ، فإن كان عاصيا وقد غفر اللّه تعالى له فلا ينتقل إلى صورة تشبه الطاعات يقيمها اللّه تعالى له هيئة إلهية ، فلا يزال ينتقل من صورة حسنة إلى أحسن منها إلى أن تقوم قيامته بظهور الحقائق على ساق ، فإن كان مطيعا مثلا وقد أحبط اللّه عمله فإن الحق تعالى يقيم صورة ما كتبه في الأزل من الشقاوة فيجليها عليه وينوّعها له ، فلا يزال يتقلب فيها إلى أن تقوم قيامته على قدر طبقته من النار فيعذب في جهنم ، ثم إن البرزخ خلق اللّه تعالى له قوما يسكنون فيه ويعمرونه ، وليسوا من أهل الدنيا ولا من أهل القيامة ، ولكنهم ملحقون بأهل الآخرة لاتحاد المحتد الذي خلقوا منه ؛ فمن جانسهم في الروحية بعد موته أنس منهم ، كمن يصل إلى قوم يعرفهم ويعرفونه فيستأنس بهم ويتروّح من همه معهم ، ومن لم يجالسهم فإنه يراهم غيظا له فلا يتألفون به ولا يتألف بهم ، ثم ينبعث منهم من جعله اللّه سببا لعذابه فيكون على أقبح صورة كان يكرهها في الدنيا فتأتيه ، وهي صورة عمله ، فيتلقى بها من الوحشة والنفور ما لا يقاس بغيره ؛ ومنهم من تأتيه على أحسن صورة جميلة وهي صورة عمله ، فيلقى بها من الألفة والعطف والحنان فتؤنسه تلك الصورة إلى أن تقوم قيامته . ثم اعلم أن القيامة والبرزخ والدار الدنيا وجود واحد ، فمثاله مثال دائرة فرض نصفها دنيا ونصفها أخرى وفرض البرزخ بينهما ، وكل ذلك على سبيل الفرض ، فإن هويتك التي أنت بها موجود ، هي بعينها التي تكون بها في البرزخ ، وهي بعينها التي تكون بها في القيامة ، فأنت في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة بهذه الإنية ، لكن التفاوت بينهما أن أمور البرزخ ضرورية لأنها مبنية على الدنيا : وأمور القيامة أيضا ضرورية لأنها مبنية على البرزخ ، وأمور الدنيا اختيارية . ثم اعلم أن اللّه تعالى إذا أراد أن تقوم القيامة ، أمر إسرافيل عليه السلام أن ينفخ النفخة الثانية في الصور ، لأن النفخة الأولى للإماتة ، والصور هو عالم الصور الروحية ينفخ فيه النفخة الأولى من حيث اسمه المفنى والمميت ، فتنعدم الصور