عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
217
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
بكتمان الأسرار ليرتفع حينئذ من مقام التصديق إلى مقام القرب في الرفيق الأعلى ونعم الرفيق ، وذلك منة من اللّه وفضل واعتناء بعبده لئلا تنهزم جيوش إيمانه بعساكر دوام الحجاب ، فيرجع إلى الخطأ عن حقيقة الصواب ، لأن مكتمات الربوبية ومقتضيات المرتبة الإلهية ، عزيزة المرام عالية المقام ، لا تكاد القلوب لشدّة عزّتها أن توقن بحصولها إلا بعد الكشف ، لأن الحق في نفسه ليس له وسع قبول تلك الأشياء ، فلا يوقن بها إلا بعد الكشف الإلهي ، فكما أن الناس لا يتحققون وقوع الأمر إلا بخروج الدابة ، كذلك العارف لا يتحقق بقبول تلك المقتضيات الإلهية إلا بعد خروج الروح من أرض الطبائع وخلاصها من القواطع والموانع فافهم . ومن أمارات الساعة الكبرى : خروج الدجال ، وأن تكون له جنة عن يساره ونار عن يمينه ، وأنه مكتوب بين عينيه كافر باللّه ، وأنه يعطش الناس ويجوعون حتى لا يجدوا مأكلا ولا مشربا إلا عند هذا الملعون ، وإن كل من آمن به فإنه يسقيه من مائه ويطعمه من طعامه ، ومن أكل من ذلك أو شرب منه لا يفلح أبدا ، وأنه يدخل المؤمن به جنته ومن دخل جنته قلبها اللّه عليه نارا وإنه يدخل من لا يؤمن به ناره ، ومن دخل ناره قلبها اللّه عليه جنة ، وإن من الناس من يأكل من حشيش الجزر إلى أن يرفع اللّه عنه هذا الضرر ، وإن اللعين لا يزال يدور في أقطار الأرض إلا مكة والمدينة ، فإنه لا يدخلها ، وإنه يتوجه إلى بيت المقدس فإذا بلغ رملة لد وهي قرية قريبة من بيت المقدس بينهما مسيرة يوم وليلة ، أنزل اللّه عيسى عليه السلام على منارة هناك وفي يده الحربة ، فإذا رآه اللعين ذاب كما يذوب الملح في الماء فيضربه بالحربة فيقتله . وكذلك الساعة الصغرى من علامات قيامها في الإنسان خروج الدجال من حقيقته وهي النفس الدجالة ، يعني أنها تخلط عليه الباطل وتبرزه له في معرض الحق ، ويقال دجل فلان على فلان : يعني لبس عليه الأمر واستغلطه ، وهذه النفس الدجالة هي المسماة من بعض وجوهها بشيطان الإنس وهي محل الشياطين والوسواس وموضع المردة والخناس ، وتسمى أيضا من بعض وجوهها بالنفس الأمارة بالسوء ، ومطلق لفظ النفس فهو اسمها في اصطلاح الصوفية ؛ فمهما ذكروا النفس فإنهم يريدون الأوصاف المعلومة من العبد ، فهي بمثابة الدجال ومقتضياتها الشهوانية هي بمثابة الجنة التي هي عن يساره لأنها طريق أهل الشقاوة ، ومخالفتها بترك الطبائع والعوائد وحسم العلائق والقواطع هي بمثابة النار التي عن يمين الدجال ؛ إذ اليمين طريق أهل السعادة ، وما تقتضيه الأمور النفسانية من تكثيف الحجب الظلمانية هو بمثابة