عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

218

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الكتابة التي على جبين الدجال ، هذا هو الكافر باللّه ، وصيرورة العارف في أسرها حتى يعدم عليه الصواب ، فلا يكاد عند غلبتها أن يفهم معنى الخطاب هو بمثابة الجوع والعطش للناس في زمان الدجال وقهرها باللذات بالخاصة ، حتى لا يكاد يجد العارف بدا من مرافقتها هو بمثابة أن لا يجد الناس مأكلا ولا مشربا إلا عند الدجال اللعين ، وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يشير إلى هذا المعنى : « سيأتي على الناس زمان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر » « 1 » فمن رجع في تلك المدة عن المجاهدة ونعوذ باللّه من ذلك إلى المقتضيات النفسية وركن إلى الأمور الطبيعية ، واستعمل الملذوذات الشهوانية ، وأخذ في الأفعال العادية هو بمثابة من أخذ من الدجال فأخذ الركون إلى المباحات التي هي عند العارف كالخمر الحرام ، هو بمثابة من أطعمه الدجال من ذلك الطعام وانهماك من رجع إلى النفس والغفلات والأماني التي هي كالشراب بمثابة من سقاه اللعين مما عنده من الشراب ، ومن رجع من العارفين قبل بلوغه إلى هذه الأشياء فهو بمثابة من لا يفلح أبدا ، ثم الاغترار بزخارف الدار التي بقاؤها محال ولذاتها خيال ، هو بمثابة من دخل جنة الدجال فيقلبها الحق عليه نارا ، ويصير قراره فيها بوارا ؛ ومن أسعده التوفيق وثبته الحق في جادة الطريق سلك بأنوار الشريعة في ليل التحقيق راكبا على متون المخالفات والمجاهدات والرياضات وأكل من حشيش الأكوان جزر ظهور الرحمن ، فهو بمثابة من دخل نار الدجال فقلبها له نعيما لا يزول وملكا لا يحول ، وأما إنه لا يزال يدور في أقطار الأرض إلى أن يحلّ الأمر الفرض ما خلا مكة الزهراء والمدينة ذات الروضة الخضراء ، فهو بمثابة ما تلبس به النفس على العبد في جميع المقامات ما خلا مقامين أحدهما مقام الاصطلام الذاتي وهو غيبوبة العبد عن وجوده بجاذب الحضرة الإلهية الذاتية ، فيذهب عن حسه ويفنى عن نفسه ، وهذا هو مقام السكر ، والمقام الثاني : هو المقام المحمدي المعبر عنه في اصطلاح القوم بالصحو الثاني ، فهذان المقامان ليس للنفس فيهما مجال لأنهما مصونان عن طوارق العلل ، محفوظات في غيب الأزل ، فهما في ذلك المجال بمثابة البلدتين اللتين لا يدخلهما الدجال ، وما يلتبس على العبد من الكشوفات الإلهية فيغلط بها عن المحجة الصوابية هو بمثابة توجه هذا اللعين الأنجس إلى قطر البيت الأقدس ثم وقوفه دون تلك المحجة بالأرض المسماة بالرملة هو لأن دجال النفوس عند ظهوره على العارف في كل لبوس قد يظهر في

--> ( 1 ) الترمذي ( 2260 ) ، وأحمد 2 / 390 و 391 ، والصحيحة ( 957 ) .