عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

19

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الإشارات إليّ وتلك العبارات لديّ ، فإذا أنا بالأجنحة وعليها سمات المسبحة ، وإذا أنا بالألف صدري والجيم كما قال والحاء في نحري ، ولم يبق مما ذكرناه ذرّة إلا وهي لديّ واردة صادرة ، فعلمت أني هو الذي كان يعني ، فحينئذ ظهرت النقطة وانتفت الغلطة ، فأبرزت العلامات بإحياء من قد مات . قال الراوي : فقلت له : يا سيدي ما هو الأمر المحتوم والكأس المختوم ، فرطن بلغة أعجمية وترجم ، ثم أوعد بكلامه وزرجم ، وتغرب ثانيا ثم ترجم ، ثم قال : الأنموذج العالي المعقول مجمل الإيراد لنفسه بل للمحمول والمنقوش فيه لا له بل للأسفل المنقول ، والأسفل هو المشار إليه ، وكل الحديث له . والمدار عليه ، فإذا انتقش الأنموذج في المشار وحمل ما في ذلك المحمل هذا الحمار ، كان الأسفل عين الأعلى وصارت العالية موجودة في السفلى . فلهذا قال من قال : لا نسبة بين الأنموذج المنقوش المشار إليه ، ولو أخطأ في كونه ليس المراد بالأنموذج إلا عين ما هو المنقوش المشار إليه . ولهذا قال من قال : إن المشار إليه عين الأنموذج ، ولو أخطأ في كون الأنموذج إنما هو ذو العلا من غير غلط ، والمشار إليه في الاصطلاح ذو السفل فقط . ولهذا قال من قال : إن الأنموذج جامع ، ولو أخطأ لكونه اسما لصفات الكمال فقط ، وبقي كونه اسما لصفات النقص والغلط . ولهذا قال من قال : إن المنقوش المشار إليه جامع للأنموذجية المنقوشة ، ولو أخطأ في أن المنقوش المشار إليه إنما هو اسم لمحلّ صفات النقص ، ألا تراه محل التعيين بالإشارة ، وموقع الحدّ والحصر في العبارة ؟ ولهذا الجمع قال من قال : بالعجز عن درك إدراك الذات ، ولو أخطأ لأن المشار إليه شرطه أن ينتقش فيه ما في الأنموذج ، فيكون له من الإدراك بمجانسته ما للأنموذج في مكامنه ، فليس له عجز ، فلا يصحّ أن يكون العجز عن الإدراك من أوصاف العارف ، والدليل عليه أن العارف إذا اعترف بعجزه عن إدراك شيء ما هو إنما لمعرفته بصفات ذلك الشيء ، فإنها لا تدرك إما لعدم التناهي ، وإما لعدم قابليته الإدراك ، وذلك القدر هو معرفة ذلك الشيء كما ينبغي ، فإذا عرفته كما ينبغي فقد أدركته كما ينبغي ، فجاء كلام الصديق الأكبر رضي اللّه عنه : إدراك العجز عن الإدراك إدراك ؛ وفي رواية أخرى : العجز عن درك الإدراك إدراك ، وبحصول الإدراك لا عجز عن الإدراك ، فاتصف العبد هنا بالعز وانتفى عنه الحصر والعجز ، وقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 1 » يعني الأبصار المخلوقة ، وأما البصر الخفيّ

--> ( 1 ) آية ( 103 ) سورة الأنعام .