عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
206
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
إيضاح هذا الأمر إذ لا سبيل إلى إفشاء هذا السرّ . ثم اعلم أن الشياطين أولاد إبليس عليه اللعنة ، وذلك أنه لما تمكن من النفس الطبيعية أنكح النار الشهوانية من الفؤاد في العادات الحيوانية ، فتولدت لذلك الشياطين كما يتولد الشرر من النار والنبات من الأرض ، فهم ذرّيته وأتباعه ، يخطرون في القلب مثل الخواطر النفسانية ، بهم يغوي الناس وهم الوسواس الخناس ، وهذا مشاركته لنبي آدم حيث قال : وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ فهذا مشاركته ، فمن هؤلاء من تغلب عليه الطبيعية النارية فيكون ملتحقا بالأرواح العنصرية . ومنهم من تغلب عليه الطبيعة النباتية الحيوانية فيبرز بصورة بني آدم وهو شيطان محض ، وذلك قوله تعالى : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ « 1 » وهؤلاء البارزون في صورة بني آدم هم خيله ، لأنهم أقوى من الشياطين الملحقة بالأرواح ، فهؤلاء أصول الفتن في الدنيا ، وأولئك فروعه وهم رجله ، قال تعالى : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ . ثم اعلم أن آلاته أقواها الغفلة ، فهي بمثابة السيف له يقطع به ، ثم الشهوة وهي بمثابة السهم يصيب به المقتل ، ثم الرياسة وهي بمثابة الحصون والقلاع يمتنع بها أن يزول ، ثم الجهل وهو بمثابة الراكب ، فيسير بالجهل إلى حيث يشاء ، ثم الأشعار والأمثال والخمور والملاهي ، وأمثال ذلك كباقي آلات الحرب . وأما النساء فهن نوابه وحبائله بهنّ يفعل كما يشاء ، فليس في عدده شيء أقوى فعلا من النساء ، فهذه آلاته التي يقاتل بها ؛ وله آلات كثيرة ومواسم . فمن جملة مواسمه الليل ومواضع التهم ووقت النزع وأمثال ذلك ، وهذا القدر سديد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . [ فصل ] : ثم اعلم أن النفس تسمى في الاصطلاح على خمسة أضرب : نفس حيوانية ، ونفس أمارة ، ونفس ملهمة ، ونفس لوامة ، ونفس مطمئنة ، وكلها أسماء الروح إذ ليس حقيقة النفس إلا الروح ، وليس حقيقة الروح إلا الحق فافهم ، فالنفس الحيوانية تطلق على الروح باعتبار تدبيرها للبدن فقط . وأما الفلسفيون فالنفس الحيوانية عندهم هي الدم الجاري في العروق وليس هذا بمذهبنا . ثم النفس الأمارة تسمى به باعتبار ما يأتيه من المقتضيات الطبيعية الشهوانية بالانهماك في الملاذ الحيوانية وعدم المبالاة بالأوامر والنواهي ، ثم النفس الملهمة تسمى به باعتبار ما
--> ( 1 ) آية ( 112 ) سورة الأنعام .