عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

207

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

يلهمها اللّه تعالى به من الخير ، فكل ما تفعله النفس من الخير هو بالإلهام الإلهي ، وكل ما تفعله من الشرّ هو بالاقتضاء الطبيعي ، وذلك الاقتضاء منها بمثابة الأمر لها بالفعل ، فكأنها هي الأمارة لنفسها بفعل تلك المقتضيات ، فلهذا سميت أمارة . وللإلهام الإلهي سميت ملهمة ، ثم النفس اللوّامة سميت به باعتبار أخذها في الرجوع والإقلاع ، فكأنها تلوم نفسها على الخوض في تلك المهالك ، فلهذا سميت لوّامة ، ثم النفس المطمئنة سميت به باعتبار سكونها إلى الحق واطمئنانها به ، وذلك إذا قطعت الأفعال المذمومة رأسا والخواطر المذمومة مطلقا ، فإنه متى لم تنقطع عنها الخواطر المذمومة لا تسمى مطمئنة بل هي لوّامة ، ثم إذا انقطعت الخواطر المذمومة مطلقا تسمى مطمئنة ، ثم إذا ظهر على جسدها الآثار الروحية من طيّ الأرض وعلم الغيب وأمثال ذلك ، فليس لها اسم إلا الروح ، ثم إذا انقطعت الخواطر المحمودة كما انقطعت المذمومة واتصفت بالأوصاف الإلهية وتحققت بالحقائق الذاتية ، فاسم العارف اسم معروفه ، وصفاته صفاته ، وذاته ذاته ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الموفى ستين : في الإنسان الكامل وأنه محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق اعلم أن هذا الباب عمدة أبواب هذا الكتاب ، بل جميع الكتاب من أوله إلى آخره شرح لهذا الباب ، فافهم معنى هذا الخطاب ، ثم إن أفراد هذا النوع الإنساني كل واحد منهم نسخة للآخر بكماله لا يفقد في أحد منهم مما في الآخر شيء إلا بحسب العارض ، كمن تقطع يداه ورجلاه ، أو يخلق أعمى لما عرض له في بطن أمه ، ومتى لم يحصل العارض فهم كمرآتين متقابلتين يوجد في كل واحد منهما ما يوجد في الأخرى ، ولكن منهم من تكون الأشياء فيه بالقوّة ، ومنهم من تكون فيه بالفعل وهم الكمل من الأنبياء والأولياء ، ثم إنهم متفاوتون في الكمال فمنهم الكامل والأكمل ، ولم يتعين أحد منهم بما تعين به محمد صلّى اللّه عليه وسلم في هذا الوجود من الكمال الذي قطع له بانفراده فيه ، شهدت له بذلك أخلاقه وأحواله وأفعاله وبعض أقواله ، فهو الإنسان الكامل والباقون من الأنبياء والأولياء والكمل صلوات اللّه عليهم ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل ، ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل ، ولكن مطلق لفظ الإنسان الكامل حيث وقع في مؤلفاتي إنما أريد به محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، تأدبا بمقامه الأعلى ومحله الأكمل الأسنى ، ولي في هذه التسمية له إشارات وتنبيهات على مطلق مقام