عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

18

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

اتخذته صنما ، فضيعت بذلك مغنما ، وكيف يصحّ إثبات المفقود ، أم كيف يتفق نفيه وهو أنت الموجود ، وقد خلقك اللّه سبحانه وتعالى على صورته حيا عليما قادرا مريدا ، سميعا بصيرا متكلما ، لا تستطيع دفع شيء من هذه الحقائق عنك لكونه خلقك على صورته وحلاك بأوصافه وسماك بأسمائه ، فهو الحي وأنت الحي ، وهو العليم وأنت العليم ، وهو المريد وأنت المريد ، وهو القادر وأنت القادر ، وهو السميع وأنت السميع ، وهو البصير وأنت البصير ، وهو المتكلم وأنت المتكلم ، وهو الذات وأنت الذات ، وهو الجامع وأنت الجامع ، وهو الموجود وأنت الموجود ، فله الربوبية ولك الربوبية بحكم « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » « 1 » وله القدم ولك القدم باعتبار أنت موجود في علمه ، وعلمه ما فارقه مذ كان ، فانضاف إليك جميع ماله وانضاف إليه جميع مالك في هذا المشهد ، ثم تفرّد بالكبرياء والعزّة وانفردت بالذلّ والعجز ، وكما صحت النسبة بينك وبينه أو لا انقطعت النسبة بينك وبينه هنا ، فقلت له : يا سيدي قربتني أولا وأبعدتني آخرا ، ونثرت لبا وفرشت عليه قشرا ، فقال : أنزلته على حكم قانون الحكمة الإلهية ، وأمليته على نمط ميزان المدركة البشرية ليسهل تناوله من قريب وبعيد ، ويمكن تحصيله للقريب والشريد ، فقلت له : زدني من رحيقك وعلني بسلاف ريقك ؛ فقال : سمعت وأنا في القبة الزرقاء بعالم يخبر عن وصف عنقاء ، فرغبت إليه وتمثلت بين يديه ثم قلت له صرح لي خبرك وصحح أثرك ، فقال : إنه المعجب الحقيقي والطائر الحمليق الذي له ستمائة جناح وألف شوالة صحاح ، الحرام لديه مباح ، واسمه السفاح ابن السفاح ، مكتوب على أجنحته أسماء مستحسنة ، صورة الباء في رأسه والألف في صدره والجيم في جبينه والحاء في نحره ، وباقي الحروف بين عينيه صفوف ، وعلامته في يده الخاتم ، وفي مخلبه الأمر الحاتم ، وله نقطة فيها غلطة ، وله مطرف فوق الرفرف ، فقلت له : يا سيدي أين محل هذا الطير ؟ فقال : بمعدن الوسع ومكان الخير ، فلما عرفت العبارة وفهمت الإشارة أخذت أقطع في جو الفلك جائزا عن الملك والملك ، وأنا أدور على هذا الأمر المعجب المسمى بعنقاء مغرب ، فلم أجد له خبرا ولم ألق له أثرا فدلني عليه الاسم وأخرجني الوصف عن القيد والرسم ؛ فلما خلعت الصفات وأخذت في فلك الذات غرقت في بحر يسمى بحيرة ، فالتقم أجنحتي النون وجال بي فوق الدر المكنون ، فنبذني موجه بالعرا فمكثت مدة لا أسمع ولا أرى ، فلما فتحت العين وانطلقت من قيد الأين لقيت تلك

--> ( 1 ) البخاري 2 / 6 ، وأبو داود في : الخراج : ب ( 1 ) ، والترمذي ( 1705 ) ، وأحمد 3 / 5 و 54 .