عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

192

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

المختلفة طائفة ، لا كلها ولا أكثرها ، بل فرقة من كل ملة ، بخلاف جنة المجازاة فإنها مخصوصة بالأعمال الصالحة لا يدخلها إلا أهلها . وأوسع منها جنة المكاسب لأن الربح قريب من الجزاء ، إذ لا بد من رأس المال حتى ينتهي الربح عليه ، فرأس مال أهل جنة المكاسب هي تلك العقائد والظنون الحسنة باللّه تعالى . وأما هذه الجنة أعني جنة المواهب فإنها أوسع الجنان جميعها ، حتى أنها أوسع مما فوقها وهذه المسماة في القرآن بجنة المأوى ، لأن الرحمة مأوى الجميع ، قال اللّه تعالى : أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ « 1 » ولم يقل جزاء ليكون تنبيها على أنه يدخلهم جنة المواهب لا جنة المجازاة ولا جنة المكاسب ، فهي نزل لهم وقرى من خزائن الحق والجود ، والموهبة غير مختصة بمن عمل الصالحات ، فافهم . الطبقة الرابعة : تسمى جنة الاستحقاق وجنة النعيم وجنة الفطرة ، وهذه الطبقة أعلى من اللواتي قبلها ، فإنها لا بمجازاة ، ولا موهبة بل هي لأقوام مخصوصة اقتضت حقائقهم التي خلقهم اللّه عليها أن يدخلوا هذه الجنة بطريق الاستحقاق الأصلي ، وهم طائفة من عباده خرجوا من دار الدنيا وأرواحهم باقية على الفطرة الأصلية ، فمنهم من عاش جميع عمره في الدنيا وهو على الفطرة ، وأكثر هؤلاء بهاليل ومجانين وأطفال ، ومنهم من تزكى بالأعمال الصالحة والمجاهدة والرياضة والمعاملة الحسنة مع اللّه تعالى ، فرجعت روحه من حضيض البشرية إلى الفطرة الأصلية ، فالفطرة الأصلية قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ « 2 » والدنس البشري قوله تعالى : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ « 3 » وهؤلاء الذين تزكوا هم المستثنون بقوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ « 4 » يعني يدخلون الجنة المسماة بجنة الاستحقاق فهي لهم حق من غير أن يكون موهوبا ممنونا أو مكسوبا مجازاة بطريق الأعمال أو غيرها ، فهؤلاء أعني من تزكى حتى رجع إلى الفطرة الأصلية هم المسمون بالأبرار ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ « 5 » وسرّ هذا أن اللّه تعالى تجلى في أهلها باسمه الحق ، فامتنع أن يدخلها إلا من يستحقها بطريق الأصالة والفطرة التي فطره اللّه عليها ، فمنهم من خرج من دار

--> ( 1 ) آية ( 19 ) سورة السجدة . ( 2 ) سبقت . ( 3 ) سبقت . ( 4 ) سبقت . ( 5 ) آية ( 13 ) سورة الانفطار .