عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

193

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الدنيا إليها ، ومنهم من عذّب بالنار حتى انتفت خبائثه فرجع إلى الفطرة ثم استحقها فدخلها بعد دخول النار ؛ وسقف هذه الجنة هو العرش بخلاف الجنان المتقدم ذكرها ، فإن الأعلى منهن سقف الأدنى فجنة السلام سقفها جنة الخلد ، وجنة الخلد سقفها جنة المأوى وجنة المأوى سقفها هذه الجنة المسماة بجنة الاستحقاق ، وجنة الفطرة ، وجنة النعيم ، وهي ليس لها سقف إلا العرش . الطبقة الخامسة : تسمى بالفردوس ، وهي جنة المعارف ، وأرضها متسعة شديدة الاتساع ، وكلما ارتفع الإنسان فيها ضاقت ، حتى أنه أعلى مكان فيها أضيق من سم الخياط ، لا يوجد فيها شجر ولا نهر ولا قصر ولا حور ولا عين ، إلا إذا نظر أهلها إلى ما تحتهم ، فأشرفوا في إحدى الجنان التي هي تحتهم فرأوا تلك الأشياء المذكورة من الحور والقصور والولدان ، وأما في جنة المعارف فلا يجدون شيئا من ذلك ، وكذلك ما فوقها وهذه الجنة على باب العرش وسقفها سقف الباب ، فأهل هذه الجنة في مشاهدة دائمة فهم الشهداء ، أعني شهادة الجمال والحسن الإلهي قتلوا في محبة اللّه بسيف الفناء عن نفوسهم فلا يشهدون إلا محبوبهم ، وهذه الجنة هي المسماة بالوسيلة لأن المعارف وسيلة العارف إلى معروفه وأهل هذه الجنة أقلّ من أهل جميع الجنان المتقدمة ، وكلما علت الطبقات من هذه الجنة كان كذلك . الطبقة السادسة : تسمى الفضيلة وأهلها هم الصديقون الذين أثنى اللّه عليهم بأنهم عند مليك مقتدر ، وهذه الجنة هي جنة الأسماء ، وهي منبسطة على درجات العرش كل طائفة من أهل الطبقة على درجة من درجات العرش أهلها أقل عددا من أهل جنة المعارف ولكنهم أعلى مكانه عند اللّه تعالى وهؤلاء يسمون أهل اللذة الإلهية . الطبقة السابعة : تسمى الدرجة الرفيعة ، وهي جنة الصفات من حيث الاسم ، وهي جنة الذات من حيث الرسم ، أرضها باطن العرش ، وأهلها يسمون أهل التحقق بالحقائق الإلهية ، وهم أقلّ عددا من الطبقة التي مضى ذكرها ، هم المقرّبون أهل الخلافة الإلهية ، وهؤلاء هم الممكنون وذوو العزم في التحقيق الإلهي ، رأيت إبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه وسلم قائما في يمين هذا المحلّ ناظرا إلى وسطه ، ورأيت طائفة من الرسل والأولياء في جانبه الأيسر شاخصين بأبصارهم إلى وسط هذا المحلّ ، ورأيت محمدا صلّى اللّه عليه وسلم في وسطه شاخصا ببصره إلى سقف العرش طالبا للمقام المحمود الذي وعده اللّه به .