عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
188
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ « 1 » فعذابهم شرّ العذاب ، لأن جهنم لا يتناهى أمر عذابها ، وهذا معنى قوله : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ « 2 » لعدم التناهي . واعلم أن أهل كل طبقة لا يخرجون منها حتى يخوضوا جميع دركات تلك الطبقة جميعها ، فمنهم من يسهل اللّه عليه خوضها ومنهم من يعسره عليه ، فإذا قطع الرجل جميع الدركات حينئذ يضع الجبار قدمه في النار فيكون ما قد سبق بيانه في الحديث . وهنا سرّ لطيف يقتضي وضع الجبار قدمه في حق كل مرة ، ثم في كل طبقة ، على أن جميع تلك التعدّدات مدة واحدة ويوم واحد . لكن أظهرت القدرة هذا التعدّد وهذا الفرق في الزمان الواحد من أهل النار وهذا أمر يحار فيه العقل ولا يدركه إلا عن كشف إلهي ، ثم إن اللّه تعالى جعل مالكا خازن هذه الأبواب مظهر الشدة ، لأن محتده اسم شديد القوى ، وانظر إلى جميع ما تجلى اللّه به على جهنم تجد فيه معنى الشدة ، فلهذا كان مالك له السلطنة في جميع طبقات جهنم ، وكان خازن جميعها ، ثم ملائكة العذاب رقائق من حقيقة الشدة ، قال اللّه تعالى : عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ « 3 » ونفس اسم مالك مشتق من الملك وهو الشدة . ثم اعلم أن أهل النار قد ينتقلون من طبقة إلى طبقة غيرها فينتقل الأعلى إلى الطبقة الأدنى تخفيفا عليه ، وقد ينتقل الأدنى إلى الأعلى تشديدا في عذابه ، كل ذلك على قدر ما يريده اللّه تعالى من العذاب من الزيادة والنقصان ، وأن في النار ما لا يحصى من العجائب ، فلو أخذنا في ذكر أهل الطبقات وتنوّعهم في كل درك ، أو لو وصفنا الملائكة الموكلة بهم وأنواعهم ، ولو شرعنا في بيان من كان مؤمنا فوقع بينهم من غير جرم ظاهر ، وذلك سرّ قوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً « 4 » أو لو تحدثنا في القوم الذين بعدهم من أهل هذه الطبقات كيف نقلتهم القدرة إلى ما لا يدركه المؤمنون في حياتهم من التحقق بالحقائق الإلهية . ولقد اجتمعت بأفلاطون الذي يعدونه أهل الظاهر كافرا فرأيته وقد ملأ العالم الغيبي نورا وبهجة ، ورأيت له مكانة لم أرها إلا لآحاد من الأولياء ، فقلت له : من أنت ؟
--> ( 1 ) آية ( 6 ) سورة البينة . ( 2 ) آية ( 30 ) سورة ( ق ) . ( 3 ) آية ( 6 ) سورة التحريم . ( 4 ) آية ( 25 ) سورة الأنفال .