عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

189

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

قال : قطب الزمان وواحد الأوان . ولكم رأينا من عجائب وغرائب مثل هذا ليس من شرطها أن تفشى ، وقد رمزنا لك في هذا الباب أسرارا ما كان يسعنا أن نتكلم فيها بغير هذا اللسان ، فألق القشر من الخطاب وخذ اللب إن كنت من أولى الألباب ، فإن هذه الورقات جمعت علوما لا يحتاج في معرفة أهل النار إلى غيرها بعد فهمها ، فلا حاجة لنا في ذكر أنواع العذاب وصفة أهوال ملائكتها ، فإن الكتب مشحونة بذلك فلنكتف من زيادة البسط . ثم اعلم أن لأهل النار لذّة فيها تشبه لذّة المحاربة والمضاربة عند من خلق لذلك ، فإنا قد رأينا كثيرا من الناس يتلذّذن بالمحاربة والمضاربة وهم عارفون أنهم يتألمون بذلك ، ولكن الربوبية الكامنة التي هي في النفس تحملهم على خوض ذلك ، ثم إن لهم لذّة أخرى تشبه لذة من به جرب فيحكه ، فهو وإن كان يقطع من جلد نفسه يتلذذ بذلك الحك ، فهو بين عذاب ولذّة أخرى تشبه لذة الجاهل المستغني برأيه ، ولو أخطأ مثاله فيما قد شهدناه . وهو أنى رأيت رجلا بالهند في بلدة تسمى كوشى سنة تسعين وسبع مئة كان عمد إلى ثلاثة رجال من أكابر الناس فقتلهم متفرقين ، وكان إذا قتل واحدا هرب إلى الآخر فقتله ، حتى استوفى الثلاثة الأنفار ؛ فلما قبض وجئ ليضرب عنقه تقدمت إليه فقلت له : ماذا صنعت ؟ فقال : اسكت يا فلان واللّه لقد صنعت شيئا ، وهو يعظم أمر نفسه ووجدته في لذّة لعمري ما أظنه التذّ قبلها بمثلها ، على أنه في حالة مما فعل به من الضرب والأسر وما هو بصدده مما سيفعل به من القتل والصلب كان متلذذا في نفسه بهذه اللذّة العظيمة ، ولهم : أي لأهل النار لذّة أخرى تشبه لذّة العاقل بعقله عند تخطئته للجاهل الذي وافقته الأقدار وساعده تقلب الليل والنهار ، فهو وإن كان يستحسن الأمور التي حصلت للجاهل لا يرضى بحالته ولا يصنع مثل صنع الجاهل مما تحصل به تلك السعادة ، بل يبقى خائضا في بحار شقاوته ولازما لرياسة نفسه باقيا على ما يقتضيه عقله وفكره ، متلذذا بحالة نفسه مستنفرا من حالة الجاهل . ثم لهم لذة مختلفة حتى إني اجتمعت بجماعة هم في أشدّ العذاب من النار فرأيتهم في تلك الحالة والجنة تعرض عليهم وهم كارهون لها ، هذا حال طائفة . ورأيت طائفة بعكس هؤلاء يتمنون نفسا من أنفاس الجنة أو شربة من مائها فلا يوافقهم القدر في ذلك ، وهم الذين قال اللّه عنهم إنهم يقولون لأهل الجنة أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ يعني الطعام قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى