عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
187
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
لأن الحق تعالى غيور ، فمن ادعى صفة من صفاته أو اسما من أسمائه بغير حق عكسه عليه فعذّبه بضده يوم القيامة ، وهؤلاء لما تكبروا في الأرض ولبسوا وصف الحق بغير حق عذّبهم باسمه المذلّ ، قال اللّه تعالى : ثُمَّ أَدْبَرَ « 1 » أي عن عبادة اللّه والتواضع تحت سلطانه وَاسْتَكْبَرَ طلب التكبر وأراد أن لا يعبد فقال : إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ « 2 » حتى لا يلزمه الإيمان به سَأُصْلِيهِ سَقَرَ « 3 » . والتجلي السادس : تجلى عليها باسمه ذي البطش ، فانفتح فيها واد يسمى السعير ، له أحد عشر ألف ألف وخمس مئة ألف وعشرون ألف درك ، بين كل درك ودرك أحقاب بعدد أنفاس أهل الدنيا ، خلق اللّه باب هذه الطبقة من الشيطنة ، وهي نار تثور من دخان النفس بشرر الطبيعية فتحدث منها الفتن والغضب والشهوة والمكر والإلحاد وأمثال ذلك ، يسكن هذه الطبقة من كان فيه خصلة من هذه الخصال ، ويسكن معه الشياطين فيها قال اللّه تعالى : وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ « 4 » أي النجوم وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ « 5 » . التجلي السابع : تجلى عليها باسمه ذو عقاب أليم ، فانفتح فيها واد يسمى جهنم دركاتها ثلاث وعشرون ألف ألف درك وأربعون ألف درك ، بين كل درك ودرك أحقاب لا تكاد أن تتناهى إلا في القدرة ، وأما على ترتيب الحكمة فلا ، وهو لأن القدرة قد تبرز ما لا يتناهى متناهيا ، وتظهر وتبرز الشيء اليسير المتناهى بلا نهاية ، وكل أحوال القيامة أو أكثرها من طريق القدرة ، لأن الدنيا دار الحكمة والآخرة دار القدرة ، حتى أن الحال الواحد من أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة يجده صاحبه منسحبا من الأزل إلى الأبد ، لا يجد لذلك من آخر ولا أول ، فيكون فيه مثلا بقدر ما بين الأزل إلى الأبد ، وهو آن واحد ووقت واحد غير متعدد ، ثم ينتقل منه إلى غيره كما يريد اللّه تعالى ، وهذا سرّ عجيب لا يكاد العقل أن يقبله ، بل لا يطيقه ، لأن العقل منوط بالحكمة والكشف منوط بالقدرة ، فلا يعرفه إلا صاحب كشف ، ثم إن الحق خلق باب هذه الطبقة من الكفر والشرك ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
--> ( 1 ) آية ( 22 ) سورة النازعات . ( 2 ) آية ( 25 ) سورة المدثر . ( 3 ) آية ( 26 ) سورة المدثر . ( 4 ) آية ( 5 ) سورة الملك . ( 5 ) الآية السابقة .