عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
169
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
حاله ومقامه وما تقتضيه طبيعة كل ذلك على حسب ما يجده مسطرا في الكتاب ، فقد يأتي إلى الوحوش الفرائس منهنّ على هيئة الأسد والنمر أو الذئب وغير ذلك مما تعتاد الفرائس أن يهلكن منه ، وكذلك الطيور فقد يأتيها على صورة الصياد والذابح أو على صورة البازي والصقر ، وكل شيء يأتي إليه فإنه لا بدّ له من مناسبة إلا من يأتيه على غير صورة مركبة ، بل في بسيطة غير مرئية يهلك الشخص من رائحة سمها ، فقد تكون رائحة طيبة وقد تكون كريهة على قدر ما يجده محتوما عليه ، وقد لا يدرك رائحة بل يمرّ عليه ما لا يدركه ذلك لدهشة حال الميت ، فإذا نظره تعشق به فانجذب نظره من جسده بالكلية فانقطع وقيل خرجت روحه ، ولا خروج ولا دخول اللهمّ إلا إن يعدّ نظره الذي يحلّ به دخولا إذ لا يصح الحلول إلا بالدخول ، فكذلك يعدّ ارتفاع النظر خروجها ، ثم إن الروح بعد خروجها من الجسد لا يفارق الصورة الجسدية أبدا ، لكن يكون لها زمان تكون فيه ساكنة مثل النائم الذي ينام ولا يرى في نومه شيئا ، ولا يقتدي بمن يقول إن كل نائم لا بد له أن يرى شيئا ، فمن الناس من يحفظه ومن الناس من ينساه ، وفي هذا القول نظر لأنا قد أدركنا بالكشف الإلهي أن النائم قد ينام اليوم يومين وأكثر ، ولا يرى في منامه شيئا فهو في ذلك النوم كمن يطوي له الحق مدة من الزمان في طرفة عين فيكون كمن غمض عينه ثم فتحها ، وطوى له الحق في تلك المدة اليسيرة أياما كثيرة عاش فيها غيره ، كما أن الحق قد يبسط الآن الواحد للشخص حتى يكون له فيه أعمال كثيرة وأعمار يتزوّج ويولد له ، ولم يكن ذلك عند غيره ، بل عند جميع أهل الدنيا إلا في أقلّ من ساعة من نهار ، هذا أمر وقعنا فيه وأدركناه ولا يؤمن به إلا من له نصيب منا ، وهذا السكون الأوّل هو موت الأرواح ، ألا ترى إلى الملائكة كيف عبر صلّى اللّه عليه وسلم عن موتهم بانقطاع الذكر ، فمن كشف له عن ذلك عرف ما أشار إليه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم إذا فرغت مدّة هذا السكون الذي يسمى موت الأرواح تصير الروح في البرزخ ، وسيأتي بيان البرزخ في محله إن شاء اللّه تعالى ، سار بنا جواد القلم في بيان العلم حتى جاوز العلم ، ولنرجع إلى ما كنا بسبيله من شرح حال النور الوهمي الذي خلقه اللّه من شمس الكمال ، وألبسه في الوجود شعاع الجلال . اعلم أن اللّه تعالى جعله مرآة لنفسه ومجلى قدسه ، ليس في العالم شيء أسرع إدراكا منه ولا أقوى هيمنة ، له التشرّف في جميع الموجودات ، به تعبد اللّه العالم ، وبنوره نظر اللّه إلى آدم ، به مشى من مشى على الماء ، وبه طار من طار في الهواء ،