عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

170

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

هو نور اليقين وأصل الاستيلاء والتمكين ، من سخر له هذا النور وحكم عليه تصرّف به في الوجود العلوي والسفلي ، ومن حكم عليه سلطان الوهم لعب به في أموره ، فتاه في ظلام الحيرة بنوره . واعلم حفظ اللّه عليك الإيمان وجعلك من أهل اليقين والإحسان أن اللّه لما خلق الوهم قال له : أقسمت أن لا أتجلى لأهل التقليد إلا فيك ولا أظهر للعالم إلا في مخافيك ؛ فعلى قدر ما تصعد بهم إليّ تدلهم عليّ ، وعلى قدر ما تنكس عني بأنوارهم تهلكهم في بوارهم ، فقال له الوهم : أي ربّ أقم المرقاة بالأسماء والصفات لتكون سلما إلى منصة الذات ، فأقام اللّه فيه الأنموذج المنير ، فانتقش في جداره بالهيبة والتقدير ، وتحكم فيه عبودية الحق تعالى فأقسم على نفسه باسم ربه ، وآلى أن لا يزال يفتح هذه الأقفال بتلك المفاتيح الثقال إلى أن يلج جمله في سم خياط الجمال إلى فضاء صحراء الكمال ، فيعبد فيه الحق المتعال ، فحينئذ ألبسه اللّه حلل التقريب وقال له : أحسنت أيها الملك الأديب ، ثم كساه اللّه تعالى حلتين : الحلة الأولى من النور الأخضر مكتوب على طرازها بالكبريت الأحمر الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ . عَلَّمَهُ الْبَيانَ « 1 » . وأما الحلة الثانية فهي القاصية الدانية ، قد نسجت من سواد الطغيان مكتوب على طرازها بقلم الخذلان إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ « 2 » ، فلما نزل هذا النور وأخذ بين العالم في الظهور خلق اللّه من ظهوره الحنطة ، فأكلها آدم فخرج بها من الجنة ، فتأمل هذه الأوصاف والإشارت ، وما أودع اللّه لك في هذه العبارات ، وأخرج عن صدق ظاهر الألفاظ تحظ بالدّرّ الفضفاض وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ « 3 » . الباب الخامس والخمسون : في الهمة وأنها محتد ميكائيل من محمد صلّى اللّه عليه وسلم فيها قال رحمه اللّه تعالى : لنا في ذرى العليا جواد مقدس * به نرتقي نحو المعالي الرفيعة يسمى براق العارفين إلى العلا * عليه صعود الروح نحو الحقيقة

--> ( 1 ) آية ( 1 : 3 ) سورة الرحمن . ( 2 ) آية ( 1 ، 2 ) سورة العصر . ( 3 ) آية ( 4 ) سورة الأحزاب .