عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
168
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
بالفعل ، فلهذا قلنا إنها مفارقة اتصال لا مفارقة انفصال ، فإذا كان صاحب الجسم يستعمل الأخلاق الملكية فإن روحه تتقوّى وترفع حكم الثقل عن نفسها ، ولا يزال كذلك إلى أن يصير الجسد في نفسه كالروح ، فيمشي على الماء ويطير في الهواء ، وقد مضى ذكر هذا فيما تقدم من الكتاب ، وإن كان صاحب الجسم يستعمل الأخلاق البشرية والمقتضيات الأرضية فإنه يتقوى على الروح حكم الرسوب والثقل الأرضي ، فينحصر في سجنه فيحشر غدا في سجين . ثم إنها لما تعشقت بالجسم وتعشق بها الجسم كانت ناظرة إليه ما دام معتدلا في صحة فإذا سقم وحصل فيها الألم بسببه أخذت في رفع نظرها عنه إلى عالمها الروحي ، فإن تفريحها هو في ذلك العالم . ولو كانت تكره مفارقة الجسد ، فإنها تأخذ نظرها فترفعه من العالم الجسدي رفعا ما إلى العالم الروحي ، كمن يهرب من ضيق إلى سعة ، ولو كان له في المحل الذي يضيق فيه من سجنه سعة فلا يجد بدا من الفرار ، ثم لا يزال الروح كذلك إلى أن يصل الأجل المحتوم وتفرغ مدة العمر المعلوم ، فيأتيها هذا الملك المسمى بعزرائيل على صورة مناسبة لحالها عند اللّه ، فحسن حالها عند اللّه على قدر حسن تصرّفها مدة الحياة في الاعتقادات والأعمال والأخلاق وغيرها ، وعلى قدر قبح ذلك يكون قبح حالها عند اللّه ، فيأتيها الملك مناسبا لحالها ، فيأتي مثلا إلى الظالم من عمال الديوان على صفة من ينتقم منه أو على صفة رسل الملك لكن في هيئة بشعة مستنكرة ، كما أنه يأتي إلى أهل الصلاح والتقوى في هيئة أحبّ الناس إليه وأشهاهم له حتى يتصوّر لهم بصورة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا شهدوا تلك الصورة خرجت أرواحهم ، وتصوره بصورة النبي مباح له ولأمثاله من الملائكة المقرّبين لأنهم مخلوقون من قوى روحانية كمن خلق من قلبه ، ومن خلق من عقله ، ومن خلق من خياله وغير ذلك فافهم ، فإنه ممكن لهم لأنهم مخلوقون منه ، فيتصوّرون بصورته للمناسبة ، وتصورهم بصورته هو من باب تصوّر روح الشخص بسجده ، فلما تصوّر بصورة محمد صلّى اللّه عليه وسلم إلا روحه ، بخلاف إبليس عليه اللعنة وأتباعه المخلوقين من بشريته ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم ما تنبأ إلا وما فيه شيء من البشرية للحديث : « إن الملك أتاه وشق قلبه فأخرج منه دما فطهر قلبه » « 1 » فالدم هو النفس البشرية وهي محل الشيطان ، فانقطعت نسبة الشيطان منه ، فلذلك لا يقدر أحد منهم أن يتمثل بصورته لعدم المناسبة ، ثم إن الملك عزرائيل لا يختصّ بصورة لأهل طاعة ولا لأهل ظلمة ومعصية بنوع ، بل يتنوّع لكل على حسب
--> ( 1 ) مسلم في : الإيمان ( 261 ) ، وأحمد 3 / 121 .