عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

167

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

وهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما خلق اللّه وهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم من نوره الكامل أظهره بالوجود بلباس القهر ، فأقوى مقهور بوهمه شيء يوجد في الإنسان القوة الوهمية فإنها تقلب العقل والفكر ، والمصورة والمدركة وكل قوى فيه فإنه مقهور بوهمه ، وأقوى الملائكة عزرائيل لأنه خلق منه ، ولهذا حين أمر اللّه تعالى الملائكة أن تقبض من الأرض قبضة ليخلق منها آدم عليه السلام لم يقدر أحد أن يقبض منها إلا عزرائيل ؛ لأنه لما نزل لها جبريل أقسمت عليه باللّه أن يتركها فتركها ومضى ، ثم ميكائيل ، ثم إسرافيل وجميع الملائكة المقربين ، فلم يقدر أحد أن يتهجم على قسمها فيقبض منها ما أمره اللّه تعالى أن يقبض ، فلما نزل إليها عزرائيل أقسمت عليه فاستدرجها في قسمها وقبض منها ما أمره اللّه تعالى أن يقبض ، وتلك القبضة هي روح الأرض ، فخلق اللّه من روحها جسد آدم ، فلهذا تولى عزرائيل قبض الأرواح لما أودع اللّه تعالى فيه من القوى الكمالية المتجلية في مجلى القهر والغلبة ، ولأنه القابض الأول ، ثم إن هذا الملك عنده من المعرفة بأحوال جميع من يقبض روحه ما لا يمكن شرحه ، فيتخلق لكل جنس بصورة ، وقد يأتي إلى بعض الأشخاص في غير صورة بل بسيطا ، فينقش مقابلته للروح فتتعشق به فتخرج الروح من الجسد وقد مسكها الجسد وتعلقت به للعشق الأول الذي بين الروح والجسد ، فيحصل النزاع بين الجاذبة العزرائيلية وبين الجسد إلى أن يغلب عليها الجذب العزرائيلي فتخرج ، وهذا الخروج أمر عجيب . واعلم أن الروح في الأصل بدخولها في الجسد وحلولها فيه لا تفارق مكانها ومحلها ، ولكن تكون في محلها وهي ناظرة إلى الجسد ، وعادة الأرواح أنها تحلّ موضع نظرها ، فأيّ محل وقع فيه نظرها تحله من غير مفارقة لمركزها الأصلي ، وهذا أمر مستحيل العقل ولا يعرف إلا بالكشف ، ثم إنه لما نظرت إلى الجسم نظر الاتحاد وحلت فيه حلول الشيء في هويته ، اكتسبت التصوير الجسماني بهذا الحلول في أول وهلة ، ثم لا تزال تكتسب منه إما الأخلاق المرضية الإلهية فتصعد وتسمو به في عليين ، وأما الأخلاق البهيمية الحيوانية الأرضية فتهبط بتلك الأخلاق إلى سجين ، وصعودها هو تمكنها من العالم الملكوتي حال تصويرها بهذه الصورة الإنسانية ، لأن هذه الصورة تكسب الأرواح ثقلها وحكمها ، فإذا تصوّر الروح بصورة جسده اكتسب حكمه من الثقل والحصر والعجز وأمثال ذلك ، فيفارق الروح ما كان له من الخفة والسريان لا مفارقة انفصال ولكن مفارقة اتصال ، لأنها تكون متصفة بجميع صفاتها الأصلية ولكنها غير متمكنة من إتيان الأمور الفعلية فتكون أوصافها فيها بالقوّة لا