عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

162

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

التغير ، وما سمي ذلك الانطباع عكسا وقلبا إلا لأن المرآة إذا قابلتها بشيء إنما ينطبع فيه عكسه لا عينه ، فإن كانت الكتابة مثلا من اليمين إلى الشمال انطبع فيه من الشمال إلى اليمين ، حتى لو قابلت المرآة بصورة إنما تقابل يمين الصورة بشمال المرآة ، هذا لا يختلف أبدا ، فلهذا سمي القلب قلبا ، وعندي أن العالم إنما هو مرآة القلب ، فالأصل والصورة هو القلب ، والفرع والمرآة هو العالم ، وعلى هذا التقدير يصح فيه أيضا اسم القلب لأن كل واحد من الصورة والمرآة قلب الثاني : أي عكسه فافهم . ودليلنا في أن القلب هو الأصل والعالم هو الفرع قوله تعالى : ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن « 1 » . ولو كان العالم هو الأصل لكان أولى بالوسع من القلب ، فعلم أن القلب هو الأصل وأن العالم هو الفرع . ثم اعلم أن هذا الوسع على ثلاثة أنواع كلها سائغة في القلب : النوع الأول : وهو وسع العلم ، وذلك هو المعرفة باللّه ، فلا شيء في الوجود يعقل آثار الحق ويعرف ما يستحقه كما ينبغي إلا القلب ، لأن كل شيء سواه إنما يعرف ربه من وجه دون وجه ، وليس لشيء غير القلب أن يعرف اللّه من كلّ الوجوه ، فهذا وسع . والنوع الثاني : هو وسع المشاهدة ، وذلك هو الكشف الذي يطلع القلب به على محاسن جمال اللّه تعالى ، فيذوق لذّة أسمائه وصفاته بعد أن يشهدها ، فلا شيء من المخلوقات يذوق ما للّه تعالى إلا القلب ، فإنه إذا تعقل مثلا علم اللّه بالموجودات وسار في فلك هذه الصفة ذاق لذاتها وعلم بمكانة هذه الصفة من اللّه تعالى ، ثم القدرة كذلك ، ثم في جميع أوصاف اللّه تعالى وأسمائه فإنه يتسع لذلك ويذوقه كما يذوق مثلا معرفة غيره وقدرة غيره لسيره في أفلاكها ، وهذا وسع ثان وهو للعارفين . النوع الثالث : وسع الخلافة وهو التحقق بأسمائه وصفاته حتى أنه يرى ذاته ذاته ، فتكون هوية الحق عين هوية العبد ، وإنيته عين إنيته ، واسمه اسمه ، وصفته صفته ، وذاته ذاته ، فيتصرّف في الوجود تصرّف الخليفة في ملك المستخلف وهذا وسع المحققين . وهذا نكات في كيفية هذا التحقق وأين محل كل اسم منه من

--> ( 1 ) تذكرة الموضوعات ( 30 ) ، وأحاديث القصاص ( 1 ) ، والأسرار المرفوعة ( 260 و 310 و 376 ) ، وكشف الخفاء 2 / 283 وقال : قال العراقي : لم أر له أصلا .