عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
163
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
العارفين أضربنا عنها ، واكتفينا بهذا القدر من التنبيه عليها لئلا يقضي ذلك إلى إفشاء سرّ الربوبية ، وهذا الوسع قد يسمى وسع الاستيفاء . اعلم وفقنا اللّه وإياك أن الحق تعالى لا يمكن دركه على الحيطة والاستيفاء أبدا لا لقديم ولا لحديث ، أما القديم فلأن ذاته لا تدخل تحت صفة من صفاته وهي العلم فلا يحيط بها وإلا لزم منه وجود الكل في الجزء ، تعالى اللّه عن الكلّ والجزء ، فلا يستوفيها العلم من كل الوجوه ، بل إنه سبحانه وتعالى لا يجهل نفسه ، لكن يعرفها حق المعرفة ، ولا يقال إن ذاته تدخل تحت حيطة صفة العلمية ولا تحت صفة القدرة تعالى اللّه ، وكذلك المخلوق فإنه بالأولى لكن هذا الوسع الكمالي الذي قلنا إنه الوسع الاستيفائي إنما هو استيفاء كمال ما عليه المخلوق من الحق لا كمال ما هو الحق عليه ، فإن ذلك لا نهاية له ، فهذا معنى قوله : ووسعني قلب عبدي المؤمن . ولما خلق اللّه تعالى العالم جميعه من نور محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، كان المحل المخلوق منه إسرافيل قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، كما سيجيء بيان خلق جميع الملائكة وغيرهم كل من محل منه ، فلهذا لما كان إسرافيل عليه السلام مخلوقا من هذا النور القلبي ، كان له في الملكوت هذا التوسع والقوّة ، حتى أنه يحيى جميع العالم بنفخة واحدة بعد أن يميتهم بنفخة واحدة ، للقوّة الإلهية التي خلقها اللّه تعالى في ذات إسرافيل ، لأنه محتده القلب والقلب قد وسع اللّه تعالى لما فيه من القوة الذاتية الإلهية ، فكان إسرافيل عليه السلام أقوى الملائكة وأقربهم من الحقّ أعني العنصريين من الملائكة ، فافهم ذلك ، واللّه تعالى أعلم . الباب الثالث والخمسون في العقل الأول وأنه محتد جبريل عليه السلام من محمد صلّى اللّه عليه وسلم اعلم وفقنا اللّه وإياك ودلك على نفسك وإلى التحقيق به هداك ، أن العقل الأول هو محل الشكل العلمي الإلهي في الوجود ، لأنه القلم الأعلى ثم ينزل منه العلم إلى اللوح المحفوظ ، فهو إجمال اللوح واللوح تفصيله ، بل هو تفصيل علم الإجمال الإلهي واللوح هو محل تعينه وتنزله ، ثم في العقل الأول من الأسرار الإلهية ما لا يسعه اللوح ، كما أن في العلم الإلهي ما لا يكون العقل الأول محلا له ، فالعلم الإلهي هو أمّ الكتاب ، والعقل الأول هو الإمام المبين ، واللوح هو الكتاب المبين ؛ فاللوح مأموم بالقلم تابع له ، والقلم الذي هو العقل الأول حاكم على اللوح مفصل