عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
159
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
من لم يعظم مشعر التحقيق لم * يخلص من التكوين بين كيان فوصول سرّك للحمى هو ذاته * لكن بلا حسن ولا إحسان ولقد يرجى للذي هو هكذا * من نفخة تأتي بريح البان هذا ومصراعاه واحده الرضا * وهو الذي يفضي إلى رضوان والآخر الغضب الشديد ووسعه * وهو المجال الرحب للطغيان فعلامة المرضى طاعة ربه * وعلامة المغضوب في العصيان وعلامة المهنى يفعل ما يشا * وعلامة المكسور في العرفان هذي العروسة زفها لك خاطري * في القلب فوق منصة العيدان فانظر إلى الحسناء فيك بعينها * تجلى عليك لديك كل معان اعلم وفقك اللّه أن القلب هو النور الأزلي والسرّ العليّ المنزل في عين الأكوان لينظر اللّه تعالى به إلى الإنسان ، وعبر عنه في الكتاب بروح اللّه المنفوخ في روح آدم حيث قال : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ويسمى هذا النور بالقلب لمعان : منها : أنه لبابة المخلوقات وزبدة الموجودات جميعها أعاليها وأدانيها ، فسمي بهذا الاسم لأن قلب الشيء خلاصته وزبدته . ومنها : أنه سريع التقلب وذلك لأنه نقطة يدور عليها محيط الأسماء والصفات ، فإذا قابلت اسما أو صفة بشرط المواجهة انطبعت بحكم ذلك الاسم والصفة ، وقولي بشرط المواجهة تقييد لأن القلب في نفسه لا يزال مقابلا بالذات لجميع أسماء اللّه تعالى وصفاته ، لكن يقابله في التوجه شيء ثان ، وهو أن يكون القلب متوجها لقبول أثر ذلك الشيء في نفسه فينطبع فيه ، فيكون الحكم عليه لذلك الاسم ، ولو كانت الأسماء جميعها تحكم عليه فإنها تكون في ذلك الوقت مستترة الحكم تحت سلطان الاسم أو الأسماء الحاكمة ، فيكون الوقت وقت ذلك الاسم فيتصرف في القلب بما يقتضيه . ثم اعلم أن وجه القلب يكون دائما إلى نور في الفؤاد يسمى الهم هو محل نظر القلب وجهة توجهه إليه ، فإذا حاذاه الاسم أو الصفة من جهة محاذاة الهم نظره القلب فانطبع بحكمه ثم يزول فيعقبه اسم آخر ، إما من جنسه أو من جنس غيره ، فيجري معه ما جرى له مع الاسم الأول وهكذا على الدوام . وأما ما كان من قفا القلب فإنه لا ينطبع به .