عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
160
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
ثم اعلم أن القلب ما له قفا ينص عليه بل كله وجه لكن موضع الهم منه يسمى وجها ، وموضع الفراغ منه يسمى قفا ، وهذه الدائرة فيها كيفية ما ذكرناه فافهم : واعلم أن الهمّ لا يكون له من القلب جهة مخصوصة ، بل يكون تارة إلى فوق وقد يكون تارة إلى تحت وعن اليمين وعن الشمال على قدر صاحب ذلك القلب ، فإن من الناس من يكون همه أبدا إلى فوق كالعارفين . ومنهم من يكون همه أبدا إلى تحت كبعض أهل الدنيا . ومنهم من يكون همه أبدا إلى اليمين كبعض العباد . ومن الناس من يكون همه أبدا إلى الشمال وهو موضع النفس ، فإنها محلها في الضلع الأيسر وأكثر البطالين لا يكون له هم إلا نفسه . وأما المحققون فلا همّ لهم فليس لقلوبهم موضع يسمى قفا ، بل يقابلون بالكلية كلية الأسماء والصفات فليس يختص وقتهم باسم دون اسم غيره ، لأنهم ذاتيون فهم مع الحق بالذات لا بالأسماء والصفات فافهم . ومنها : أي من المعاني التي تسمى القلب من أجلها قلبا ، فهو باعتبار أن الأسماء والصفات له كالقلوب ليفرغ نوره فيها وانصبابه إليها فلذلك التفريغ قد يسمى قلبا من قولهم قلبت الفضة في القالب قلبا وهو من وضع المصدر اسما للمفعول . ومنها : أنه مقلوب المحدثات بمعنى عكسها يعني نوره قديم إلهي . ومنها : أنه الذي ينقلب إلى المحل الأصلي الإلهي الذي بدأ منه قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ « 1 » أي : انقلاب إلى الحق ، فهو صرف وجه الهمة من العدوة الدنيا وهي الظواهر إلى العدوة القصوى وهي الحقائق وبواطن الأمور . ومنها : أنه كان خلقا فانقلب حقا ، يعني كان مشهده خلقيا فصار مشهده حقيا ، وإلا فالخلق لا يصير حقا لأن الحق حق والخلق خلق ، والحقائق لا تتبدل ، ولكن من كان أصله من شيء رجع إليه قال تعالى : وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ « 2 » . ومنها : أنه يعني القلب يقلب الأمور كيف يشاء ، فإن القلب إذا كان على فطرته التي خلقه اللّه عليها تقلبت له الأمور حسب ما يحبه ويتصرف في الوجود كيفما شاء ، والفطرة التي خلقه اللّه عليها هي الأسماء والصفات ، وهي قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ « 3 » لكنه لما نزل مع الطبيعة إلى حكم العبادة وانتوال الشهوات ، وكان هذا
--> ( 1 ) آية ( 37 ) سورة ( ق ) . ( 2 ) آية ( 21 ) سورة العنكبوت . ( 3 ) آية ( 4 ) سورة التين .