عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

156

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

والرضيع ، هذه الحضرة والأمانة . وأما المحتد والمكانة فاعلم أني كنت عينا مشهودا كان لي في الغيب حكما موجودا ، فلما أردت معرفة ذلك الحكم المحتوم ومشاهدته في جانت الأمر المحكوم ، عبدت اللّه تعالى بذلك الاسم كذا وكذا سنة وأنا عن اليقظة في سنة ، فنبهني الحق سبحانه وتعالى وأقسم باسمه وآلى أنه قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 1 » فلما حضرت القسمة وأحرزت ما أعطاني الاسم ، أعني باسمه ، زكتني الحقيقة المحمدية بلسان الحضرة الرسولية ، فقال عليه الصلاة والسلام : « خلق اللّه آدم على صورته » « 2 » ولا ريب في هذا ولا كلام ، ولم يكن آدم إلا مظهرا من مظاهري أقيم خليفة على ظاهري فعلمت أن الحق جعلني المراد والمقصود من العباد ، فإذا بالخطاب الأكرم عن المقام الأعظم : أنت القطب الذي تدور عليه أفلاك الجمال ، والشمس الذي تمدّ بضوئها بدر الكمال . أنت الذي أقمنا له الأنموذج وأحكمنا من أجله الزور فوتج المراد بما يكنى عنه بهند وسلمى أو يلوح بأنها عزّة وأسما ، فالكل إلا أنت يا ذا الأوصاف السنية والنعوت الزكية ، لا يدهشك الجمال ولا يرعشك الجلال ولا تستبعد استيعاب الكمال ، أنت النقطة وهي الدائرة ، وأنت اللابس وهي الثياب الفاخرة ، قال الروح : فقلت : أيها السيد الكبير والعلام الخبير نسألك بالتأييد والعصمة ، أخبرني عن درر الحكمة وبحر الرحمة بأن جعلت صدفها سوائي وما انعقدت سوى من مائي ، ولم وسم طيري باسم غيري وكتم هذا الأمر رأسا فلم يعلم لحديدته بأسا ؟ فقال : اعلم أن الحق تعالى أراد أن تتجلى أسماؤه وصفاته لتعرف الخلق ذاته ، فأبرزها في المظاهر المتميزة والبواطن المتحيزة وهي الموجودات الذاتية المتجلية في المراتب الإلهية ، ولو أطلق الأمر كفاحا وأطلق لهذا العبد سراحا ، جهلت الرتب ، وفقدت الإضافات والنسب ، فإن الإنسان إذا أشهد غيره فقد استوعب خيره وسهل عليه الاتباع وأخذ في ذلك ما استطاع ، فلهذا أرسل اللّه الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام بكتابه المبين وخطابه المتين ، يترجم عن صفاته العليا وأسمائه الحسنى ، ليعلم أن ذاته لها التعالي عن الإدراك فلا يعرفها غيرها ولا إشراك ، ولهذا أمرنا السيد الأوّاه فقال : « تخلقوا بأخلاق اللّه » لتبرز أسراره المودعة في الهيا كل الإنسانية ، فيظهر بذلك علوّ العزّة الربانية ، ويعلم حق المرتبة الرحمانية ، ولا سبيل إلى معرفته بحسب حصره إذ هو القائل عن نفسه : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ

--> ( 1 ) آية ( 9 ، 10 ) سورة الشمس . ( 2 ) سبق تخريجه .