عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

155

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

حيث وقع إما بمعنى النفي أو بمعنى الإثبات أو بمعنى الإيناس أو بمعنى الإيحاش ، فهذا السؤال من الحق لإبليس في قوله : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ تهديد وإيحاش ، وألف الاستفهام في أَسْتَكْبَرْتَ بمعنى الإثبات ، يعني استكبرت بقولك : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وأم في قوله : أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ بمعنى النفي يعني لست من العالين الذين لم يؤمروا بالسجود ، والاستفهام الذي بمعنى الإيناس والبسط قوله : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى « 1 » ولهذا أجاب موسى بقوله : هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ، وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى « 2 » لما علم منه أنه يريد منه ذلك ، وإلا كان الجواب عصاي ، فهذا أدب أهل اللّه مع اللّه في حضرته ، أبرزها اللّه لك في الإنسان الكامل لتقرأه فتعمل بموجبه فتكتب مع السعداء ، فتأدب بها . جال بنا مركب البيان في بحر التبيان إلى أن أشرف بنا على الساحل ، فلنرجع إلى بحر الحقائق في التعبير عن الملك المسمى بالروح . اعلم أن الروح له أسماء كثيرة على عدد وجوهه ، يسمى بالقلم الأعلى ، وبروح محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وبالعقل الأول ، وبالروح الإلهي من تسمية الأصل بالفرع ، وإلا فليس له في الحضرة إلا اسم واحد وهو الروح ، ولهذا خصصناه في عقد الباب عليه ، ولو أخذنا في شرح ما حواه هذا الملك من العجائب والغرائب احتجنا إلى كتب ومجلدات كثيرة ولقد اجتمعت به في بعض الحضرات الإلهية فتعرّف إلي وسلّم عليّ فرددت عليه السلام بعد أن كدت أذوب من هيبته وأفنى من حسن بهجته ؛ فلما باسطني بالكلام بعد أن حيا ودار بإيناسه كأس الحميا ، سألته عن مكانته ومحتده وحضرته ومستنده وعن أصله وفرعه وعن هيئته ونوعه وعن صفته واسمه وعن حليته ورسمه فقال : إن الأمر الذي خطبته والسرّ الذي طلبته عزيز المرام عظيم المقام ، لا يصلح إفشاؤه بالتصريح ولا يكاد يفهم بالكناية والتلويح ، فقلت له : هلم بالتلويح والكناية لعلي أفهمه إذا سبقت لي به العناية ، فقال : أنا الولد الذي أبوه ابنه ، والخمر الذي كرمه دنه ، أنا الفرع الذي أنتج أصله ، والسهم الذي قوسه نصله ، اجتمعت بالأمهات اللاتي ولدتني وخطبتها لأنكحها فأنكحتني ، فلما سرت في ظاهر الأصول عقدت صورة المحصول ، فانثنيت في نفسي أدور في حسي وقد حملت أمانات الهيولي وأحكمت الحضرة الموصوفة بالأولى ، وجدتني أبا الجميع وأم الكبير

--> ( 1 ) آية ( 17 ) سورة طه . ( 2 ) آية ( 18 ) سورة طه .