عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
150
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
جوفه نبقا ملأ اللّه قلبه إيمانا » ، وكونها لها أوراق كآذان الفيلة ضرب مثل لعظم ذلك الإيمان وقوّته ، وتدلى كل ورقة منها في كلّ بيت من بيوت الجنة عبارة عن إيمان صاحب ذلك البيت . واعلم بأنا وجدنا السدرة مقاما فيه ثماني حضرات في كل حضرة من المناظر العلا ما لا يمكن حصرها ، تتفاوت تلك المناظر على حسب أذواق أهل تلك الحضرات . أما المقام : فهو ظهور الحقّ في مظاهره ، وذلك عبارة عن تجليه فيما هو له من الحقائق الحقيقة والمعاني الخلقية . الحضرة الأولى : يتجلى فيها باسمه الظاهر من حيث باطن العبد . الحضرة الثانية : يتجلى الحقّ فيها باسمه الباطن من حيث ظاهر العبد . الحضرة الثالثة : يتجلى الحقّ فيها باسمه اللّه من حيث روح العبد . الحضرة الرابعة : يتجلى فيها الحقّ بصفة الربّ من حيث نفس العبد . الحضرة الخامسة : هو تجلي المرتبة ، وهو ظهور الرحمن في عقل العبد ، الحضرة السادسة : يتجلى الحق فيها من حيث وهم العبد . الحضرة السابعة : معرفة الهوية يتجلى الحق فيها من حيث نية اسم العبد . الحضرة الثامنة : معرفة الذات من مطلق العبد يتجلى الحق في هذا المقام بكماله في ظاهر الهيكل الإنساني وباطنه ، باطنا بباطن وظاهرا بظاهر ، هوية بهوية ، وإنية بإنية ، وهي أعلى الحضرات وما بعدها إلا الأحدية ، وليس للخلق فيها مجال لأنها من محض الحق ، وهي من خواص الذات الواجب الوجود ، فإذا حصل للكامل شيء من ذلك قلنا هو تجلّ إلهي له به ، ليس لخلقه فيه مجال فلا ينسب ذلك إلى الخلق بل هو للحق ، ومن هنا منع أهل اللّه تجلي الأحدية للخلق ، وقد سبق بيان الأحدية فيما مضى ، واللّه الموفق للصواب . الباب الموفى خمسين : في روح القدس اعلم أن روح القدس هو روح الأرواح ، وهو المنزّه عن الدخول تحت حيطة كن ، فلا يجوز أن يقال فيه إنه مخلوق لأنه وجه خاص من وجوه الحق قام الوجود بذلك الوجه ، فهو روح لا كالأرواح لأنه روح اللّه ، وهو المنفوخ منه في آدم ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فروح آدم مخلوق وروح اللّه ليس بمخلوق ، فهو روح القدس : أي أنه الروح المقدس عن النقائص الكونية ، وذلك الروح هو المعبر عنه بالوجود الإلهي في المخلوقات ، وهو المعبر عنه في الآية بقوله :