عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
151
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ يعني هذا الروح المقدس الذي أقام اللّه به الوجود الكوني بوجود أينما تولوا بإحساسكم في المحسوسات أو بأفكاركم في المعقولات ، فإن الروح المقدس متعين بكماله فيه ، لأنه عبارة عن الوجه الإلهي القائم بالوجود ، فذلك الوجه في كل شيء هو روح اللّه وروح اللّه الشيء نفسه ، فالوجود قائم بنفس اللّه ونفسه ذاته . واعلم أن كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام به صورته ، فالروح لتلك الصورة كالمعنى للفظ ، ثم إن لذلك الروح المخلوق روحا إلهيا قام به ذلك الروح ، وذلك الروح الإلهي هو روح القدس ، فمن نظر إلى روح القدس في الإنسان رآها مخلوقة لانتفاء وجود قدمين ، فلا قدم إلا للّه تعالى وحده ؛ ويلحق بذاته جميع أسمائه وصفاته لاستحالة الانفكاك ، وما سوى ذلك فمخلوق ومحدث ، فالإنسان مثلا له جسد وهو صورته ، وروح وهو معناه ، وسرّ وهو الروح ، ووجه وهو المعبر عنه بروح القدس وبالسرّ الإلهي والوجود الساري ، فإذا كان الأغلب على الإنسان الأمور التي تقتضيها صورته ، وهي المعبر عنها بالبشرية وبالشهوانية ، فإن روحه تكتسب الرسوب المعدني الذي هو أصل الصورة ومنشأ مخلها حتى كادت أن تخالف عالمها الأصلي لتمكين المقتضيات البشرية فيها ، فتقيدت بالصورة عن إطلاقها الروحي ، فصارت في سجن الطبيعة والعادة ، وذلك في دار الدنيا مثال السجين في دار الآخرة ، بل عين السجين هو ما استقرّ فيه روح ، لكن السجين في الآخرة في سجن محسوس في نار محسوسة ، وهي في الدنيا هذا المعنى المذكور ، لأن الآخرة محلّ تبرّز المعاني فيه صورا محسوسة فافهم . وبعكسه الإنسان إذا كان الأغلب عليه الأمور الروحانية ، من دوام الفكر الصحيح وإقلال الطعام والمنام والكلام وترك الأمور التي تقتضيها البشرية ، فإن هيكله يكتسب اللطف الروحي ، فيخطو على الماء ويطير في الهواء ولا تحجبه الجدران ولا يقصيه بعد البلدان ، ثم تتمكن روحه من محلها لعدم الموانع وهي الاقتضاءات البشرية فيصير في أعلى مراتب المخلوقات ، وذلك هو عالم الأرواح المطلقة عن القيود الحاصلة بسبب مجاورة الأجسام ، وهي المشار إليها في الآية بقوله : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ثم غلبت عليه الأمور الإلهية من شهود ما للّه ، وذلك أسماؤه الحسنى وصفاته العلا مع تلك الأمور التي تقتضيها البشرية والروحانية صار قدسيا ، فإن البشرية تقتضي الشهوات التي يقوم هذا الجسد بها والأمور التي يعتادها الطبع ، والروحية تقتضي الأمور التي يقوم بها ناموس الإنسان من الجاه