عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

149

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

وأصعب ما على المكاشف بهذا العلم معرفة القضاء المبرم من القضاء المحكم ، فيتأدّب فيما يعلمه محكما ، ويشفع فيما يعلمه مبرما ، وإعلام الحقّ له بالقضاء المبرم ، هو الإذن في الشفاعة ، قال اللّه تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ « 1 » . ثم اعلم أن النور الإلهي المعبر عنه باللوح المحفوظ : هو نور ذات اللّه تعالى ونور ذاته عين ذاته لاستحالة التبعيض والانقسام عليه ، فهو حقّ مطلق ، وهو المعبر بالنفس الكلية ، فهو خلق مطلق ، وإلى هذه الإشارة بقوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ « 2 » يعني : بالقرآن نفس ذات المجد الشامخ ، والعزّ الباذخ في لوح محفوظ في النفس الكلية ، أعني : نفس الإنسان الكامل بغير حلول ، تعالى عن الحلول والاتحاد ، واللّه يقول الحق وهو يهدي إلى سبيل الرشاد . الباب التاسع والأربعون : في سدرة المنتهى اعلم أن سدرة المنتهى هي نهاية المكانة التي يبلغها المخلوق في سيره إلى اللّه تعالى ، وما بعدها إلا المكانة المختصة بالحقّ تعالى وحده ، وليس لمخلوق هناك قدم ، ولا يمكن البلوغ إلى ما بعد سدرة المنتهى ، لأن المخلوق هناك مسحوق ممحوق ومدموس مطموس ملحق بالعدم المحض ، لا وجود له فيما بعد السدرة ، وإلى ذلك الإشارة في قول جبريل عليه السلام للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « لو تقدمت شبرا لاحترقت » ، ولو حرف امتناع ، فالتقدم ممتنع ، وأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه وجد هناك شجرة سدر لها أوراق كآذان الفيلة ، فينبغي الإيمان بذلك مطلقا لإخباره عن نفسه بذلك ، فيحتمل أن يكون الحديث مؤوّلا ، وهو الذي وجدناه في عروجنا ، ويحتمل أن يكون على ظاهره ، فيكون قد وجد في مجاليه المثالية ومنازله ومناظره الإلهية ، شجرة سدر محسوسة لخياله ، مشهودة بعين كماله ، ليجتمع له الكشف المحقق صورة ومعنى ، هكذا في جميع ما أخبر به أنه وجد إياه في معراجه ، فإنا نؤمن بما قاله مطلقا ولو وجدنا فيما أعطانا الكشف مقيدا ، لأن معراجنا ليس كمعراجه ، فنأخذ من حديثه مفهوم ما أعطانا الكشف ، ونؤمن أن له من وراء ذلك ما لا يبلغه علمنا والذي أعطانا الكشف في هذا الحديث ، هو أن المراد بشجرة السدر : الإيمان . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من ملأ

--> ( 1 ) آية 255 ) سورة البقرة . ( 2 ) آية ( 21 . 22 ) سورة البروج .