عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

148

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

وقد لا تظهر فيه بعد ظهورها أيضا ، وجميع ما في اللوح المحفوظ هو علم مبتدأ الوجود الحسي إلى يوم القيامة ، وما فيه من علم أهل الجنة والنار شيء على التفصيل ، لأن ذلك من اختراع القدرة ، وأمر القدرة مبهم لا معين ، نعم يوجد فيه علمها على الإجمال مطلقا ، كالعلم بالنعيم مطلقا لمن جرى له القلم بالسعادة الأبدية ، ثم لو فصل ذلك النعيم لكان تفصيل ذلك الجنس ، وهو أيضا جملة ، كما تقول بأنه من أهل جنة المأوى ، أو من أهل جنة الخلد ، أو جنة النعيم ، أو جنة الفردوس ، على الإجمال لا سبيل إلى غير ذلك ، وكذلك حال أهل النار . ثم اعلم أن المقتضى به المقدر في اللوح على نوعين : مقدر لا يمكن التغيير فيه ولا التبديل ، ومقدر يمكن التغيير فيه والتبديل ، فالذي لا يمكن فيه التغيير والتبديل هي الأمور التي اقتضتها الصفات الإلهية في العالم ، فلا سبيل إلى عدم وجودها ، وأما الأمور التي يمكن فيها التغيير ، فهي الأشياء التي اقتضتها قوابل العالم على قانون الحكمة المعتادة ، فقد يجريها الحق سبحانه وتعالى على ذلك الترتيب ، فيقع المقتضى به في اللوح المحفوظ ، وقد يجريها على حكم الاختراع الإلهي ، فلا يقع المقضى به ، ولا شكّ أن ما اقتضته قوابل العالم هو نفس مقتضى الصفات الإلهية ، ولكن بينهما فرق ، أعني بين ما اقتضته قوابل العالم وبين ما اقتضته الصفات مطلقا ، وذلك أن قوابل العالم ولو اقتضت شيئا فإنه من حكمها العجز لاستناد أمرها إلى غيرها ، فلأجل هذا قد يقع وقد لا يقع ، بخلاف الأمور التي اقتضتها الصفات الإلهية ، فإنها واقعة ضرورة الاقتضاء الإلهي ، وثم وجه ثان ، وهو أن قوابل العالم ممكنة ، والممكن يقبل الشيء وضدّه . فإذا اقتضت القابلية شيئا ولم يجر القدر إلا بوقوع نقيضه ، كان ذلك النقيض أيضا من مقتضى القابلية التي في الممكن ، فنقول بإيقاع ما اقتضته قوابل العالم على قانون الحكمة ؛ وهذا أمر ذوقي لا يدركه العقل من حيث نظره الفكري ، بل هو كشف إلهي يمنحه اللّه من يشاء من عباده ، فالقضاء المحكم هو الذي لا تغيير فيه ولا تبديل ، والقضاء المبرم : هو الذي يمكن فيه التغيير ، ولهذا ما استعاذ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم باللّه إلا من القضاء المبرم ، لأنه يعلم أنه يمكن أن يحصل فيه التغيير والتبديل ، قال اللّه تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 1 » بخلاف القضاء المحكم ، فإنه المشار إليه بقوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً « 2 » ،

--> ( 1 ) آية ( 39 ) سورة الرعد . ( 2 ) آية ( 38 ) سورة الأحزاب .