عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
147
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
تقتضي صورة إلا وهي منطبعة في اللوح المحفوظ ، فإذا اقتضت الهيولي صورة ما وجد العالم على حسب ما اقتضته الهيولى من الفور والمهلة ، لأن القلم الأعلى جرى في اللوح المحفوظ بإيجادها ، واقتضتها الهيولى ، فلا بدّ من إيجادها على حسب المقتضى ، ولهذا قالت الحكماء الإلهيون : إذا اقتضت الهيولي صورة ، كان حقا على واهب الصور أن يبرز تلك الصورة في العالم ، وقولهم حقا على واهب الصور من باب التوسع ، جاريا مجرى قوله عليه الصلاة والسلام : « إن حقا على اللّه أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه » « 1 » لا من أنه يجب عليه شيء ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . وسيأتي بيان الهيولي في موضعه . ثم اعلم أن النور الإلهي المنطبع فيه الموجودات ، هو المعبر عنه بالنفس الكلي ، ثم الإدراك لما كتبه القلم الأعلى في ذلك النور المعبر عنه باللوح المحفوظ لا يكون إلا بوجه من وجوه ذلك النور ، وذلك الوجه هو المعبر عنه عندنا بالعقل الكلي ، كما أن الانطباع في النور ، هو المعبر عنه بالقضاء ، وهو التفصيل الأصلي الذي هو يقتضي الوصف الإلهي ، وقد عبرنا عن مجلاه بالكرسي ، ثم التقدير في اللوح ، هو الحكم بإبراز الخلق على الصورة المعينة بالحالة المخصوصة في الوقت المفروض ، وهذا هو المعبر عن مجلاه بالقلم الأعلى ، وهو في اصطلاحنا العقل الأوّل ، وسيأتي ذكره في محله ، مثاله : قضى الحقّ تعالى بإيجاد زيد على الهيئة الفلانية في الزمن الفلاني ، فالأمر الذي اقتضى هذا التقدير في اللوح هو القلم الأعلى ، وهو المسمى بالعقل الأوّل ، والمحلّ الذي وجد فيه بيان هذا الاقتضاء هو اللوح المحفوظ ، وهو المعبر عنه بالنفس الكلي ، ثم الأمر الذي اقتضى إيجاد هذا الحكم في الوجود ، هو مقتضى الصفات الإلهية ، وهو المعبر عنه بالقضاء ، ومجلاه هو الكرسي ، فاعرف ما المراد بالقلم ، وما المراد باللوح ، وما المراد بالقضاء ، وما المراد بالقدر . ثم اعلم أن علم اللوح المحفوظ نبذة من علم اللّه تعالى ، أجراه اللّه على قانون الحكمة الإلهية ، حسب ما اقتضته حقائق الموجودات الخلقية ، وللّه علم وراء ذلك هو حسب ما تقتضيه الحقائق الحقية ، برز على نمط اختراع القدرة في الوجود لا تكون مثبتة في اللوح المحفوظ ، بل قد تظهر فيه عند ظهورها في العالم العيني ،
--> ( 1 ) البخاري 8 / 131 ، وأبو داود ( 4803 ) ، والنسائي 6 / 227 ، وأحمد 3 / 103 و 253 .