عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
145
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
أن المراد به ذلك الوجه من هذا الفلك ، كقوله : العرش المجيد ، فإن المراد به من عالم القدس المرتبة الرحمانية التي هي منشأ المجد ، وكذلك العرش العظيم ، فإن المراد به الحقائق الذاتية والمقتضيات النفسانية التي مكانتها العظمة ، وذلك من عالم القدس ، وعالم القدس عبارة عن المعاني الإلهية المقدسة عن الأحكام الخلقية والنقائص الكونية . واعلم أن الجسم في الهيكل الإنساني جامع لجميع ما تضمنه وجود الإنسان من الروح والعقل والقلب وأمثال ذلك ، فهو في الإنسان نظير العرش في العالم فالعرش هيكل العالم وجسده الجامع لجميع متفرّقاته ، وبهذا الاعتبار قال أصحابنا : إنه الجسم الكلي ، ولا اختلاف بيننا لاتحاد المعنى في العبارتين ، واللّه أعلم . الباب السادس والأربعون : في الكرسي اعلم أن الكرسي عبارة عن تجلي جملة الصفات الفعلية ، فهو مظهر الاقتدار الإلهي ، ومحلّ نفوذ الأمر والنهي ، وأوّل توجه الرقائق الحقية في إبراز الحقائق الخلقية في الكرسي وقدما الحق متدليتان عليه ، وذلك لأنه محلّ الإيجاد والإعدام ، ومنشأ التفصيل والإبهام ، ومركز الضرّ والنفع والفرق والجمع ، فيه ظهور آثار الصفات المتضادّة على التفصيل ، منه يبرز الأمر الإلهي في الوجود ، فهو محلّ فصل القضاء ، والقلم محلّ التقدير ، واللوح المحفوظ محل للتدوين والتسطير ، وسيأتي بيانهما في مكانهما إن شاء اللّه تعالى ، قال اللّه تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ « 1 » . اعلم أن هذا الوسع وسعان : وسع حكمي ، ووسع وجودي عيني ، فالوسع الحكمي هو لأن السماوات والأرض أثر صفة من صفاته الفعلية ، والكرسي هو محلّ مظهر جميع الصفات الفعلية ، فحصل الوسع المعنوي في كلّ وجه من وجوه الكرسي ، إذ كلّ وجه منه صفة من الصفات الفعلية . وأما الوسع الوجودي العيني ، فهو لأن الوجود بأسره ، أعني الوجود المقيد الخفيّ محيط بالسموات والأرض وغيرهما ، وهو المعبر عنه بالكرسي ، أعني الوجود المقيد لأننا قد بينا أنه محل نفوذ الأمر والنهي ، ومحل الصفات الفعلية ، ومظهر الاقتدارات الإلهية ، وليس المراد بجميع ذلك إلّا الوجود المقيد ، إذ هو المأمور أعني المنفوذ فيه الأمر ، وهو المجلي والمظهر ، فهو الكرسي الذي دلى الحق عليه قدماه وأوجد فيه وأعدم وأهلك فيه وأسلم ،
--> ( 1 ) آية ( 255 ) سورة البقرة .