عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

135

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

والمراتب الخلقية ، كما هو عليه الوجود ، ومذهب أهل السنة في لام الحمد أنه للشمول ، وقد سبق بيانه . وقالت المعتزلة وبعض علماء السنة : إن اللام في الحمد للعهد ، ومعناه أن الحمد اللائق باللّه للّه ، فبهذا الاعتبار تكون الإشارة في الحمد ثناءه على نفسه بما تستحقه المكانة الإلهية ؛ فمقام الحمد أعلى المقامات ولهذا كان لواء محمد صلّى اللّه عليه وسلم لواء الحمد ، لأنه أثنى على ذاته سبحانه وتعالى بما تستحقه المكانة الإلهية وظهر في المراتب الحقية والمراتب الخلقية كما هو عليه الوجود ، واختصّ الاسم اللّه بالحمد ، لأن الألوهية هي الشاملة لجميع معاني الوجود ومراتبه ، والاسم اللّه هو المعطى لكل ذي حق من حقائق الوجود حقه ، وليس هذا المعنى لغير هذا الاسم ، وقد سبق بيانه في باب الألوهية فاختص هذا الاسم بالحمد ، ثم نعت الاسم اللّه الذي قلنا إنه حقيقة الإنسان بأنه « ربّ العالمين » أي صاحب العوالم ومنشيها والكائن فيها ومظهرها ، فما في العوالم الإلهية ولا في العوالم العبدية أحد غيره ، فهو الظاهر وهو الباطن ، وهو المراد بالرحمن والرحيم . وقد سبق تفسير الاسم الربّ والاسم الرحمن في أول الكتاب فليطالع هناك . واعلم أن الرحيم أخصّ من اسمه الرحمن ، والرحمن أعمّ منه فالرحمة التي وسعت كل شيء هي فيض اسمه الرحمن ، والرحمة المكتوبة للذين يتقون ويؤتون الزكاة هي من فيض اسمه الرحيم ، والأصل في ذلك أن رحمة الاسم الرحمن قد يشوبها نقمة كتأديب الولد مثلا بالضرب رحمة به ، وكشرب الدواء الكريه الطعم فإنه وإن كان رحمة فقد مازجته نقمة ، والرحمن يعم كل رحمة كانت وكيف كانت ، سواء مازجتها نقمة أم لم تمازجها ، بخلاف اسمه الرحيم فإنه يختص بكل رحمة محضة لا يشوبها نقمة ، ولهذا كان ظهور اسمه الرحيم في الآخرة أشدّ لأن نعيم الجنة لا يمازجه كدر النقمة ، فهو من محض اسمه الرحيم . ألا ترى إليه صلّى اللّه عليه وسلم لما كره أن تكون أمته بالنار في قوله : شفاء أمتي في ثلاث في آية من كتاب اللّه ، أو لعقة من عسل ، أو كية من نار ، ولا أحب أن تكون أمتي بالنار » « 1 » كيف سماه الحق بالرحيم فقال : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 2 » لأن رحمته ما مازجها كدر النقمة وكان رحمة للعالمين . ثم وصف الحقيقة المحمدية

--> ( 1 ) بنحوه : البخاري في : الطب ( 5680 ) ، وابن ماجة ( 3491 ) وأحمد 1 / 246 و 4 / 146 . ( 2 ) آية ( 128 ) سورة التوبة .