عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
134
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الصفات ، فهذه هي انقسام الفاتحة بين الحق تعالى وبين عباده ، فالفاتحة بما دلت عليه إشارة إلى هذا الهيكل الإنساني الذي فتح اللّه به أقفال الوجود وانقسامها بين العبد وربه إشارة إلى أن الإنسان ولو كان خلقا فالحق حقيقته ، فكما أنه حاو لأوصاف العبودية كذلك هو حاو لأوصاف الربوبية ، لأن اللّه حقيقته وهو المراد بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا ثم غيره فهو المعتبر في المرتبتين وهو الموجود في المملكتين ، فهو الحق وهو الخلق ، ألا ترى إلى سورة الفاتحة كيف قسمها اللّه تعالى بين ثناء على اللّه وبين دعاء للعبد ، فالعبد ينقسم بين كمالات إلهية حكمية غيبية وجودية ، وبين نقائص خلقية غيبية شهودية ، فهو فاتحة الكتاب ، وهو السبع المثاني . وفي هذه السورة من الأسرار ما لا تسعه الأوراق ، بل مما لا يسعنا إذاعتها ، ولا بد أن نتكلم على ظاهر السورة بطريق التعبير تبركا بكلام اللّه تعالى ، قال اللّه تعالى : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ « 1 » فقد وضعنا للبسملة كتابا سميناه ب [ الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم ] فمن أراد شرح البسملة فليطالع فيه ، ونتكلم في الكتاب هذا على شيء منه بطريق الإشارة وهذا موضعه . قالت علماء العربية : الباء في البسملة للاستعانة ، معناه بسم اللّه أفعل كذا ، وترك ذكر الفعل ليعمّ كل شيء ، وتقدير الفعل بلسان الإشارة بسم اللّه يعرف اللّه بأنه لا سبيل إلى معرفته إلا بعد تجلي هذا الاسم عليك ، لأنه وضع مرآة للكلمات تشاهد فيها وجهك ، فلا سبيل إلى مشاهدة وجهك إلا في المرآة فافهم ما أشرنا إليه ، لأن مرآتك مركب بحر الحقيقة « باسم اللّه مجراها ومرساها » « 2 » لا باسم غيره ، فإذا ركب ملاح القلب سفينة الاسم في بحر التوحيد وهبّ ريح الرحمانية في جو : « إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن » « 3 » يعني النفس وصل بهداية رحمة الاسم الرحمن إلى ساحل الذات ، فتنزّه في أسمائه والصفات ، فاستفتح فاتحة الوجود وتحقق العابد أنه عين المعبود فقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ أثنى اللّه على نفسه بما يستحقه ، وثناؤه على نفسه عين ظهوره وتجليه فما هو له ، والألف واللام إن كانا للشمول الذي اعتبر بمعنى كل المحامد للّه ، فهو المراد بجميع الصفات المحمودة بالحقية والخلقية ، فثناؤه على نفسه بظهوره في المراتب الإلهية
--> ( 1 ) آية ( 1 ) سورة الفاتحة . ( 2 ) آية ( 41 ) سورة هود . ( 3 ) الإتحاف 2 / 80 و 8 / 124 ، وتذكرة الموضوعات ( 101 ) ، وكشف الخفاء 1 / 251 وقال : قال العراقي : لم أجد له أصلا .