عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
122
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
فهو كالتحيز ، فمن كان فهمه إلهيا فقد بلغ ذلك ، ومن لم يكن فهمه ذلك الفهم وكان مما لو فوجىء بالحقائق أنكرها فإنه ما بلغ إليه ذلك لئلا يؤدي ذلك إلى ضلالته وشقاوته ، والعلم الذي أخذ عليه في كتمه فإنه مودع في القرآن بطريق التأويل لغموض الكتم ، فلا يعلم ذلك إلا من أشرف على نفس العلم أولا ، وبطريق الكشف الإلهي ، ثم سمع القرآن بعد ذلك ، فإنه يعلم المحلّ الذي أودع اللّه فيه شيئا من العلم المأخوذ على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في كتمه وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ « 1 » على قراءة من وقف هنا ، فالذي يطلع على تأويله في نفسه هو المسمى با للّه فافهم . جال بنا جواد البيان في مضمار التبيان إلى أن أبدى ما لم يخطر إظهاره أبدا ، فلترجع إلى ما كنا بسبيله من الحديث على التوراة . اعلم أن التوراة عبارة عن تجليات الأسماء الصفاتية ، وذلك ظهور الحق سبحانه وتعالى في المظاهر الحقية : فإن الحق تعالى نصب الأسماء أدلة على صفاته ، وجعل الصفات دليلا على ذاته في مظاهره وظهوره في خلقه بواسطة الأسماء والصفات ، ولا سبيل إلى غير ذلك لأن الخلق فطروا على السذاجة ، فهو خال عن جميع المعاني الإلهية ، لكنه كالثوب الأبيض ينتقش فيه ما يقابله به ، فتسمى الحق بهذه الأسماء لتكون أدلة للخلق على صفاته ، فعرفت الخلق بها صفات الحق ، ثم اهتدى إليه أهل الحق فكانوا لتلك الأسماء كالمرآة ، فظهرت الأسماء فيهم والصفات فشاهدوا أنفسهم بما انتقش فيهم من الأسماء الذاتية والصفات الإلهية ، فإذا ذكروا اللّه تعالى كانوا هم المذكورين بهذا الاسم ، فهذا المعنى توراة . والتورية في اللغة : حمل المعنى على أبعد المفهومين ، فتصريح الحق عند العامة الخيال الاعتقادي وليس لهم غير ذلك ، والحق عند العارفين حقيقة ذواتهم ، فهم المراد به ، هذا اللسان هو لسان الإشارة في التوراة . أما ما تضمنه السبعة ألواح التي أنزلت على موسى : فأما اللوح الأول : فلوح النور ، اعلم أنه يشترط أن لا يكون في اللوح من العلوم إلا ذلك النوع الذي يسمى اللوح به ، بل يكون فيه وغيره مما في باقي الألواح ، لكن لما غلب حكم علم على لوح سمي ذلك اللوح به ، كما أن سور القرآن كذلك كلما غلب عليها أمر كانت السورة مسماة بذلك الأمر وهي تتضمن
--> ( 1 ) آية ( 7 ) سورة آل عمران .