عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
103
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
ولما كان اعتبار البطون والظهور بالوحدة يحصل فيه للعقل تردد وهو استيفاؤه كيف يكون الأمر باطنه ظاهره وظاهره باطنه ، وما فائدة التقسيم بالظاهر والباطن فيه ، فللنفس في هذه المسألة إما تردد وإما إنكار ، فلهذا أكده الحق بلفظة « إن » فقال لموسى : « إنه هو » يعني أن الأحدية الباطنة المشار إليها بالهوية هي الإنية الظاهرة المشار إليها بلفظة أنا ، فلا تزعم أن بينهما تغايرا أو انفصالا أو انفكاكا بوجه ، ثم فسر الأمر بالبدلية وهو العلم الذاتي أعني اسم اللّه إشارة إلى ما تقتضيه الألوهية من الجمع والشمول ، لأنه لما قال إن بطونه وغيبه عين ظهوره وشهادته نبه على أن ذلك من حقيقة ما هو عليه اللّه ، فإن الألوهية في نفسها تقتضي شمول النقيضين وجميع الضدّين بحكم الأحدية وعدم التغاير في نفس حصول المغايرة ، وهذه مسألة حيرة ، ثم الجملة بقوله : لا إِلهَ إِلَّا أَنَا يعني الإلهية المعبودية ليست إلا أنا ، فأنا الظاهر في تلك الأوثان والأفلاك والطبائع ، وفي كل ما يعبده أهل كل ملة ونحلة ، فما تلك الآلهة كلها إلا أنا . ولهذا أثبت لهم لفظة الآلهة وتسميته لهم بهذه اللفظة من جهة ما هم عليه في الحقيقة تسمية حقيقية لا مجازية ، ولا كما يزعم أهل الظاهر أن الحق إنما أراد بذلك من حيث إنهم سموهم آلهة ، لا من حيث إنهم في أنفسهم لهم هذه التسمية ، وهذا غلط منهم وافتراء على الحق ، لأن هذه الأشياء كلها بل جميع ما في الوجود له من جهة ذات اللّه تعالى في الحقيقة هذه التسمية تسمية حقيقية ، لأن الحق سبحانه وتعالى عين الأشياء وتسميتها بالإلهية تسمية حقيقية ، لا كما يزعم المقلد من أهل الحجاب أنها تسمية مجازية ، ولو كان كذلك لكان الكلام أن تلك الحجارة والكواكب والطبائع والأشياء التي تعبدونها ليست بآلهة ، وأن لا إله إلا اللّه أنا فاعبدوني ، لكنه إنما أراد الحق أن يبين لهم أن تلك الآلهة مظاهر ، وأن حكم الألوهية فيهم حقيقة ، وأنهم ما عبدوا في جميع ذلك إلا هو ، فقال : لا إِلهَ إِلَّا أَنَا « 1 » أي : ما ثم ما يطلق عليه اسم الإله إلا وهو أنا ، فما في العالم ما يعبد غيري وكيف يعبدون غيري وأنا خلقتهم ليعبدوني ولا يكون إلا ما خلقتهم له قال عليه الصلاة والسلام في هذا المقام : « كل ميسر لما خلق له » « 2 » أي : لعباده الحق لأن
--> ( 1 ) آية ( 14 ) سورة طه . ( 2 ) مسلم في : القدر : ب ( 1 ) : حديث ( 9 ) ، وأبو داود ( 4709 ) والترمذي ( 3111 ) ، وابن ماجة ( 78 و 91 ) .