عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
104
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الحق تعالى قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » وقال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ « 2 » فنبه الحق تنبيه موسى عليه السلام على أن أهل تلك الآلهة إنما عبدوا اللّه تعالى ، ولكن من جهة ذلك المظهر ، فطلب من موسى أن يعبده من جهة جميع المظاهر فقال : لا إِلهَ إِلَّا أَنَا أي : ما ثم إلا أنا ، وكل ما أطلقوا عليه اسم الإله فهو أنا بعد ما أعلمه أن أنا عين هو المشار إلى مرتبته بالاسم اللّه ، فاعبدني يا موسى من حيث هذه الإنية الجامعة لجميع المظاهر التي هي عين الهوية ، فهذا عناية منه سبحانه وتعالى بنبيه موسى وعنايته به ، لئلا يعبده من جهة دون جهة أخرى فيفوته الحقّ من الجهة التي لم يعبده فيها فيضل عنه ، ولو اهتدى من جهة كما ضلّ أهل الملل المتفرّقة عن طريق اللّه تعالى ، بخلاف ما لو عبده من حيث هذه الإنية المنبه عليها بجميع المظاهر والتجليات والشؤون والمقتضيات والكمالات المنعوتة المعقولة في الهوية المندرجة في الإنية المفسرة باللّه المشروحة بأنه ما ثم إله إلا أنا ، فإنه تكون عبادته حينئذ كما ينبغي ، وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ « 3 » فأهل السبل المتفرقة ولو كانوا على صراط اللّه فقد تفرّقوا ودخل عليهم الشرك والإلحاد ، بخلاف المحمديين الموحدين فإنهم على صراط اللّه ، فإذا كان العبد على صراط اللّه ظهر له سرّ قوله عليه الصلاة والسلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 4 » فيطالب بعد هذا أن يعبده حقّ عبادته وهو التحقيق بحقائق الأسماء والصفات ، لأنه إذا عبده بتلك العبادة علم أنه عين الأشياء الظاهرة والباطنة ، ويعلم أنه إذ ذاك إنية عين المعبر عنه بموسى ، فيطلب له موسى ما أعلمه الحق سبحانه وتعالى أنه يستحقه من الكمالات المقتضية للأسماء والصفات ليجد ذلك ، فيعبده إذ ذاك حق عبادته ولا يمكن استيفاء ذلك فلا يمكنه أن يعبده حق العبادة ، لأن اللّه لا يتناهى ، فليس لأسمائه وصفاته ، وليس لحقّ عبادته نهاية وفي هذا المقام قال عليه الصلاة والسلام : « ما عرفناك حق معرفتك ولا عبدناك حق عبادتك ، أنت كما أثنيت على نفسك » وقال
--> ( 1 ) آية ( 56 ) سورة الذاريات . ( 2 ) آية ( 44 ) سورة الإسراء . ( 3 ) آية ( 153 ) سورة الأنعام . ( 4 ) الأسرار ( 351 ) ، وكشف الخفاء 2 / 343 وقال : قال ابن تيمية : موضوع . وقال النووي قبله : ليس بثابت .