عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

102

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

سورة البقرة ، والواو أول قوله وأول سورة آل عمران ، وهذا الكلام وإن كان مقبولا فإني أجد للاسم الأعظم رائحة أخرى وما أوردت ما قاله هذا العارف إلا تنبيها على شرف هذا الاسم ، وكون الإشارة النبوية وقعت عليه من الجهة المذكورة أنه أعظم الأسماء . واعلم أن اسم « هو » عبارة عن حاضر في الذهن يرجع إليه بالإشارة من شاهد الحسّ إلى غائب الخيال ، وذلك الغائب لو كان غائبا عن الخيال لما صحت الإشارة إليه بلفظة « هو » فلا تصح الإشارة بلفظة « هو » إلى الحاضر . ألا ترى إلى الضمير لا يرجع إلا إلى مذكور إما لفظا وإما قرينة وإما حالا كالشأن والقصة ، وفائدة هذا أن « هو » يقع على الوجود المحض الذي لا يصح فيه عدم ، ولا يشابه العدم من الغيبوبية والفناء ، لأن الغائب معدوم عن الجهة أي لم يكن مشهودا فيها فلا يصحّ هذا في المشار إليه بلفظة هو ، فعلم من هذا الكلام أن الهوية هي الوجود المحض الصريح المستوعب لكل كمال وجودي شهودي ، لكن الحكم على ما وقعت عليه الغيبة هو من أجل أن ذلك غير ممكن بالاستيفاء فلا يمكن استيفاؤه ولا يدرك ، فقيل إن الهوية غيب لعدم الإدراك لها فافهم . لأن الحق ليس غيبه غير شهادته ولا شهادته غير غيبه بخلاف الإنسان ، وكل مخلوق كذلك فإن له شهادة وغيبا ، لكن شهادته من وجه وباعتبار وغيبته من وجه وباعتبار . وأما الحق فغيبه عين شهادته وشهادته عين غيبه ، فلا غيب عنده من نفسه ولا شهادة ، بل له في نفسه غيب يليق به وشهادة تليق به كما يعلم ذلك لنفسه ، ولا يصحّ تعقل ذلك لنا ، إذ لا يعلم غيبه ولا شهادته على ما هو عليه إلا هو سبحانه وتعالى . الباب السابع والعشرون : في الإنية إنية الحق تحديه بما هو له ، فهي إشارة إلى ظاهر الحق تعالى باعتبار شمول ظهوره لبطونه ، قال اللّه تعالى : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا يقول : إن الهوية المشار إليها بلفظة « هو » هي عين الإنية المشار إليها بلفظة « أنا » فكانت الهوية معقولة في الإنية ، وهذا معنى قولنا إن ظاهر الحق عين باطنه ، وباطنه عين ظاهره ، لا أنه باطن من جهة وظاهر من جهة أخرى . ألا ترى لقوله سبحانه وتعالى كيف أكد الجملة بأن فأتى بها مؤكدة ، لأن كل كلام يتردد فيه ذهن السامع ، فإن التأكيد مستحسن فيه ، كما أن كل كلام ينكره السامع يجب التأكيد فيه بخلاف ما كان لو السامع خالي الذهن ، فإنه لا يحتاج فيه إلى تأكيد .