عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
99
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
مظلوما ، لأنه لا يقدر أحد أن يوفي بحقوق الإنسان الكامل لجلالة قدره وعظيم منصبه ، فهو مظلوم فيما يعامله به المخلوقات . وقوله جهولا : يعني : مجهولا لا يعلم حقيقته لبعد غوره ، وهذا من الحق سبحانه وتعالى اعتذار عن الإنسان الكامل من أجل سائر المخلوقات ليخلصوا من وبال الظلم ، فيقبل عذرهم إذا كشف لهم الغطاء يوم القيامة عن قدر هذا الإنسان الذي هو عبارة عن ظهور ذات اللّه وأسمائه وصفاته ، وسيأتي بيان بعض مراتب الإنسان الكامل من هذا الكتاب في محله إن شاء اللّه تعالى فافهم ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الخامس والعشرون : في الكمال اعلم أن كمال اللّه تعالى عبارة عن ماهيته وماهيته غير قابلة للإدراك والغاية فليس لكماله غاية ولا نهاية ، فهو سبحانه وتعالى يدرك ماهيته ويدرك أنها لا تدرك وأنها لا غاية لها في حقه وفي حق غيره ، أعني يدركها بعد أن يدركها أنها لا تدرك له ولا لغيره لما هي عليه ماهيته في نفسها ، فقولنا يدرك ماهيته هو ما يستحقه لكمال الإحاطة وعدم الجهل ، وقولنا يدركها أنها لا تدرك له ولا لغيره هو ما يستحقه من حيث كبرياؤه وعدم انتهائه ؛ لأنه لا يدرك إلا ما يتناهى وهو ليس له نهاية ، فإدراك ما ليس له نهاية محال ، فإدراكه لماهيته حكمي لاستحقاقه شمول العلم وعدم الجهل بنفسه لا أنه قبلت ماهيته الإدراك بوجه من الوجوه فافهم . فهذه مسئلة شديدة الغموض فإياك أن تزلق فيها فإنها مقام الحيرة . في هذا المعنى قلت من قصيدة طويلة : أأحطت خبرا مجملا ومفصلا * بجميع ذاتك يا جميع صفاته أم جهل وجهك أن يحاط بكنهه * فأحطته أن لا يحاط بذاته حاشاك من غاي وحاشا أن يكن * بك جاهلا ويلاه من حيراته واعلم أن كماله سبحانه وتعالى لا يشبه كمال المخلوقات ، لأن كمال المخلوقات بمعان موجودة في ذواتهم ، وتلك المعاني مغايرة لذواتهم ، وكماله سبحانه وتعالى بذاته لا بمعان زائدة عليه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، فكماله عين ذاته ولهذا صحّ له الغنى المطلق والكمال التام ، فإنه سبحانه وتعالى ولو تعلقت به المعاني الكمالية فإنها ليست غيره ، فمعقولية الكمال المستوعب له أمر ذاتي لا زائد على ذاته ولا مغاير له ، وليس هو نفس المعقول وليس لسواه هذا الحكم ، فإن كل موجود