عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

100

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

من الموجودات إذا وصفته اقتضى أن يكون وصفه غيره ، لأن المخلوق قابل للانقسام والتعدّد ، واقتضى أن يكون وصفه عينه لأنه حكمه الذي ترتب عليه ذاته وحده الذي يترتب منه وجوده ، فقولنا الإنسان حيوان ناطق ، يقتضي أن تكون الحيوانية في نفسها ومعقوليتها مغايرة للإنسان والنطق في نفسه مغاير لكل من الإنسان والحيوانية ، واقتضى أيضا أن تكون الحيوانية والنطقية عين الإنسان لأنه مركب منهما ، فلا وجود له إلا بهما فلا يكون مغايرا لهما ، فكان وصف المخلوق غير ذاته من وجه الانقسام وعين ذاته من وجه التركيب ، وليس الأمر في الحق كذلك ، لأن الانقسام والتركيب محال في حقه ، فإن صفاته لا يقال أنها ليست عينه وليست غير ذاته إلا من حيث ما نعقله نحن من تعدّد الأوصاف وتضادّها ، وهي أعني صفاته عين ذاته من حيث ماهيته وهويته التي هي عليها في نفسها ، ولا يقال إنها ليست عينه فيتميز عن حكم المخلوق وصته لا غير ذاته ولا عينها . وليس هذا الحكم في الحق إلا على سبيل المجاز ، وهذه المسئلة قد أخطأ فيها أكثر المتكلمين ، وقد أوردها الإمام محيي الدين ابن عربي موافقا لما قلناه لك ، لا من هذه الجهة ولا بهذه العبارة بل بعبارة أخرى ومعنى آخر ، لكنه يخطئ أكثر المتكلمين الذين قالوا إن صفات الحق ليست عينه ولا غيره ، وذكر أن هذا الكلام غير سائغ في نفسه . وأما نحن فقد أعطانا الكشف الإلهي أن صفاته عين ذاته ، ولكن لا باعتبار تعدّدها ولا باعتبار عدم التعدّد ، بل شاهدت أمرا يضرب عنه في المثل « وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى » « 1 » نقطة هي نفس معقولية الكمالات المستوعبة الجامعة لكل جمال وجلال وكمال على النمط اللائق بالمرتبة الإلهية ؛ وهي أعني الكمالات ؛ مستهلكة في وجود النقطة والنقطة مستهلكة في وجود الكمالات ، وهي أعني المعبر عنها بالنقطة وبالكمالات في أحديتها يتعقل فيها عدم الانتهاء ويستحيل عليها أولية الابتداء : وثم أمور أغمض وأدقّ وأعزّ وأجلّ من أن يمكن التعبير عنها . وكان ما كان مما لست أذكره * فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر واعلم أن هذا المثال لا يليق بذات المتعال ، لأن المثال في نفسه مخلوق فهو على غير المضروب به المثل ، لأن الحق قديم والخلق حديث ، والعبارة الفهوانية لا تحمل المعاني الذوقية إلا لمن سبقه الذوق ، فهي مطية له لأنها لا تطيق أن تحمل

--> ( 1 ) آية ( 60 ) سورة النحل .