عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
32
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار
معلومات الباري قديمة بأسرها ، ومع هذا فإن الشيخ رضي اللّه عنه لا يقول بقدم فرد من أفراد العالم أصلا وما ثم غير الحق حتى يكون هذا العروض في علمه ، ولو كان على طريق فرض المحال لما أفاد العروض في علمه إلا وجود الأشياء في علمه لا في الخارج ، والأشياء ما عرضت للذات في الخارج ولا في علم اللّه ، فتعلق علم هذا الغير بالعروض خلاف الواقع ، والقول المطابق للواقع هو ما أوردناه من كلام الشيخ في ذلك بعبارتنا وعبارته الشريفة من أن الأشياء لا وجود لها في غير العلم القديم وإن وجودها الحادث إنما هو بالنسبة إلى شعورها بما هي عليه في علم باريها على التتالي إلى غير نهاية دنيا وآخرة ، وعلى هذا فما حدث إلا الشعور لا غير وأما ماهيات الممكنات فما حدثت أصلا لأنها قديمة في العلم وما شمت رائحة من الوجود الخارجي أصلا ، ومن هنا تعلم قول الشيخ رضي اللّه عنه أنه لم يحدث للّه صفة ولا نسبة من إيجاده العالم لم يكن عليها ، ويعضد ذلك قول الشيخ رضي اللّه عنه في التخلي ، التخلي عند القوم اختيار الخلوة والإعراض عن كل ما يشغل عن الحق ، وعندنا التخلي عن الوجود المستفاد لأنه في الاعتقاد هكذا وقع ، وفي نفس الأمر ليس إلا وجود الحق والموصوف باستفادة الوجود ، هو على أصله ما انتقل من إمكانه فحكمه باق وعينه ثابتة والحق شاهد ومشهود ، فإنه تعالى لا يصح أن يقسم بما ليس هو لأن المقسم به هو الذي تنبغي له العظمة ، فما أقسم بشيء ليس هو وقد ذكرنا ذلك في باب النفس بفتح الفاء ، فمما أقسم به وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ( 3 ) [ البروج : الآية 3 ] . فهو الشاهد والمشهود وهو ما استفاد الوجود بل هو الوجود فإن قلت : فمن هذا الذي جهل الأمر حتى تعلمه ولا يقبل الإعلام إلا موجود قلنا : الجواب عليك من نفس اعتقادك فإنك المؤمن بأنه تعالى قال : للشيء كن فما خاطب إلا من يسمع ولا وجود له عندك في حال الخطاب فقد أسمع من لا وجود له فهو الذي نعلمه ما ليس عنده فيعلمه وهو في حال عدمه يقبل التعليم كما سمع الخطاب عندك فقبل التكوين وما هو عندنا قبوله للتكوين كما هو عندك وإنما قبوله للتكوين أن يكون مظهرا للحق فهذا معنى يكن لا أنه استفاد وجودا إنما استفاد حكم المظهرية ، فيقبل التعليم كما قبل السماع لا فرق ، ولقد نبهتك على أمر عظيم إن عقلته فهو عين كل شيء في الظهور ما هو عين الأشياء في ذواتها سبحانه وتعالى بل هو هو والإشياء أشياء ، فبعض المظاهر لما رأت حكمها في الظاهر تخيلت أن أعيانها اتصفت بالوجود فلما علمنا أن ثم في الأعيان الممكنات من هو بهذه المثابة من الجهل بالأمر تعين علينا من كوننا على حالنا في العدم مع ثبوتنا أن نعلم من لا يعلم من أمثالنا ما