عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

33

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار

هو الأمر عليه ولا سيما وقد اتصفنا بأنا مظهر فتمكنا بهذه النسبة من الإعلام لمن لا يعلم فأفدناه ما لم يكن عنده فقبله ، فأعلمناه أنه ما استفاد وجودا بكونه مظهرا فتخلى عن هذا الاعتقاد لا عن الوجود المستفاد لأنه ليس ثم . وقوله رضي اللّه عنه عند مخاطبته للنبي صلى اللّه عليه وسلم في مكاشفة قلبية : فلما أنشأ العالم على غاية الإتقان ولم يبق أبدع وجه كما قال الإمام أبو حامد في الإمكان « 1 » [ وأبرز ] « 2 » جسدك صلى اللّه عليك للعيان أخبر عنك الراوي أنك قلت يوما في مجلسك أن اللّه كان ولا شيء معه وهو على ما عليه كان وهكذا هي صلى اللّه عليك حقائق الأكوان فما زادت هذه الحقيقة على هذه الحقائق إلا بكونها سابقة وهن لواحق إذ من ليس مع شيء فليس معه شيء ، ولو خرجت الحقائق على غير ما كانت عليه في العلم لامتازت عن الحقيقة المنزهة بهذا الحكم ، فالحقائق الآن في الحكم على ما كانت عليه في العلم فلنقل كانت ولا شيء معها في وجودها وهي الآن على ما كانت عليه في علم معبودها ، فقد شمل هذا الخبر الذي أطلق على الحق جميع الخلق ، ولا تعترض بتعدد الأسباب والمسببات فإنه ترد عليك بوجود الأسماء التي للحق والصفات وأن المعاني التي تدل عليها مختلفات ، فلو لا ما بين البداية والنهاية سبب رابط ونسب صحيح ضابط ما عرف كل واحد منهما بالآخر ، ولا قيل على حكم الأول يأتي الآخر وليس إلا الرب والعبد وكفى ، وفي هذا غنية لمن أراد معرفة نفسه في الوجود وشفا . وقوله رضي اللّه عنه في باب الغربة عن الأوطان : وأما العارفون المكملون فليس عندهم غربة أصلا فإنهم أعيان ثابتة في أماكنهم لم يبرحوا . ولما كان الحق مرآة لهم ظهرت صورهم فيه ظهور الصور في المرآة فما هي تلك الصور أعيانهم لكونهم يظهرون بحكم صور المرائي ، ولا تلك الصور عين المرآة لأن المرآة ما في ذاتها تفصيل ما ظهر فيهم وأما هم فما اغتربوا وإنما هم أهل شهود فوجود ، وإنما أضيف إليهم الوجود من أجل حدوث الأحكام ، إذ لا تظهر إلا من موجود ، فمرتبة الغربة ليست من منازل الرجال فهي منزلة دنية ينزلها المريدون والمتوسطون ، وأما الأكابر فما يرون أنه اغترب شيء عن موطنه بل الواجب واجب والممكن ممكن والمحال محال ، فتعين وطن كل مستوطن ، ولو قامت غربة بهم لا نقلبت الحقائق

--> ( 1 ) يشير إلى قول الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد العزالي : ما في الإمكان أبدع مما كان . ( 2 ) هكذا ورد في الأصل .