عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
31
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار
يعطيه الكشف من المقام الذي وراء طور العقل فصدق الجميع وكل قوة أعطت بحسبها ، فإذا أوجد اللّه الأعيان فإنما أوجدها لها لا له وهي على حالتها بأماكنها وأزمانها على اختلاف أمكنتها وأزمنتها فيكشف لها عن أعيانها وأحوالها شيئا بعد شيء إلى ما لا يتناهى على التتالي والتتابع فالأمر بالنسبة إلى اللّه تعالى واحد كما قال تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [ القمر : الآية 50 ] . والكثرة في نفس المعدودات ، وهذا الأمر قد حصل لنا في وقت فلم يختل علينا فيه شيء فكان الأمر في الكثرة واحدا عندنا ما غاب ولا زال ، وهكذا يشهده كل من ذاق هذا ، فهم في المثال كشخص واحد له أحوال مختلفة ، وقد صورت له صورة في كل حال يكون عليه ، هكذا كل شخص وجعل بينك وبين هذه الصور حجابا ، فكشف لك عنها وأنت من جملة من لك فيها صورة فأدركت جميع ما فيها عند رفع الحجاب بالنظرة الواحدة ، فالحق سبحانه وتعالى ما عدل بها عن صورها في ذلك الطبق بل كشف لها عنها وألبسها حالة الوجود لها فعاينت نفسها على ما تكون عليه أبدا ، وليس في حق نظرة الحق زمان ماض ولا مستقبل بل الأمور كلها معلومة له في مراتبها بتعداد صورها في مراتبها التي لا تتصف بالتناهي ولا تنحصر ولا حد لها تقف عنده ، فهكذا هو إدراك الحق للعالم ولجميع الممكنات في حال عدمها ووجودها ، فعليها تفرعت الأحوال في خيالها لا في علمها فاستفادت من كشفها لذلك علما لم يكن عندها ، لا حالة لم تكن عليها ، فتحقق فإنها مسألة دقيقة خفية تتعلق بسر القدر القليل من أصحابنا من يعثر عليها ، وقد صدق رضي اللّه عنه فإن جماعة كثيرة من القائلين بوحدة الوجود أجمعوا على أن الأشياء موجودة في الخارج كما هو مذهب النظار ، غير أنهم قالوا هي موجودة بوجود واحد هو الحق سبحانه ، لا أنها موجودة بوجود زائد على الوجود الحق سبحانه وليس هذا مذهب الكمل أصحاب الكشف التام ، وما صدرت هذه المقالات إلا من جماعة مزجت الحكمة بكلام أهل اللّه وأخذت أقوالهم على حسب ما استحسنته أفكارهم ، وأنت تعلم إن كنت من أرباب القلوب أن اللّه كان ولا شيء معه وأنه لا وجود للممكنات في تلك المرتبة إلا في الحضرة العلمية لا غير ، وهي بهذا الاعتبار قديمة بأسرها لأن الجهل محال على اللّه ، وأنه لا يحدث في علم اللّه ما لم يكن فيه وأن علمه عين ذاته وعين معلومه في الخارج ، ولا امتياز لهذه الثلاثة عن بعضها إلا في التعقل ، فمن هو هذا الذي يعرض لوجود الحق فيوجد في الخارج به وما ثم إلا الذات ، والمعلومات المتحدة بها لا تعرض لها في الخارج لأنها عينها فيه ، ولا في علم الباري ، ولو كان لما صح إلا في الدائمات لأنه قد تقرر أن