عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

28

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار

يكون محل الحوادث ، وقد تقرر عندنا أن وجودنا ما هو من ذواتنا ، فمن أين هذا الوجود الذي ندعي أنه صفة لنا ، فقيل لنا أنتم من جملة معلومات الواجب فلكم وجود أزلي في علمه لأن الجهل عليه محال ، قلنا : فهل لنا وجود خارج عن ذواتنا ؟ قيل : لا ، لأن الخارج موهوم صرف ، لأنه إن كان من جملة الممكنات الموجودة فالكلام فيه مثل الكلام فينا ، وإن كان من جملة الممكنات المعدومة أو المحالات ، فمعنى قولكم نحن في الخارج أي نحن في العدم فلا يصح أن يكون عين الواجب ، وما ثم أمر رابع . قلنا : فعلى هذا ليس للواجب وجود في الخارج ، قيل لنا : أنتم لا تعقلون كنه الواجب حتى تعرفوا كيفية وجوده لأنه ليس بينه وبينكم مناسبة أصلا وقد نهيتم عن التفكر في ذات اللّه ، وقد حذركم اللّه نفسه . وكما أن ذاته لا تشبه الذوات فوجوده لا يشبه الوجودات فاشتغلوا بمعرفة أنفسكم ودعوا ما لا تقدرون على معرفته ويكفيكم أن تقولوا إن الواجب موجود بذاته ولا يتوقف وجوده على اعتبار معتبر ولا على تعقل متعقل . قلنا : فعلى هذا لا وجود لنا إلا في العلم وأما الوجود الخارجي فلم نعقله ، قيل لنا : نعم الأمر كما قلتم . قلنا : نحن نشهد الحوادث الزمانية ومعلومات الواجب قديمة ، قيل : نعم ما سألتم عنه ، اسمعوا وعوا وخذوا جوابكم وزيادة ، قد سمعتم اللّه سبحانه وتعالى يقول : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( / ( 82 ) [ يس : الآية 82 ] فأسند كينونتكم إليكم وما أسند إلى نفسه سوى الأمر خاصة ، وهو ما توجه إلا على أعيانكم الموجودة في علمه ، لأن الأمر لا يتوجه على العدم الصرف ، ولولا أنكم متصفون في علمه بالسمع والعلم والإرادة والقدرة ما أمركم ، وإذا ثبتت لكم هذه الصفات في الوجود العلمي شرعا فلا مانع أن تثبت لكم جميع الصفات مثل الشم والذوق واللمس والخيال وأخواتها ، بل هو واجب لأنكم ما وجدتم ههنا إلا على طبق ما كنتم عليه في علمه من غير زيادة ولا نقصان ، وقد صح عندكم أن صاحب علم السيميا والأوهام إذا أراد أن يظهر أمرا عند شخص ما أمسك ذلك الأمر في خياله وخطف بصر ذلك الشخص بخاصية اسم أو حرف أو كلام أو نور أو بخاصية اكتسبها برياضة مخصوصة ورده إلى خيال ذلك الشخص وقد أظهر بتلك الخاصية ما أمسكه في خيال نفسه في خيال ذلك الشخص فيبصره ذلك الشخص في خياله على وفق ما أمسكه صاحب علم السيميا في خيال نفسه وإن المسحور يرى بعينه ما لا وجود له إلا في خياله وإن النائم يرى بعين خياله ما لا وجود له إلا في خياله وهو لا يشك في تلك الحالة أن لجميع ما يراه حقيقة في نفس الأمر حتى إذا