عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
29
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار
استيقظ وغاب عنه ما كان يبصره قال هذا خيال لا حقيقة له وما يدريه أن اليقظة وما يراه فيها مثل ما كان يراه في النوم ؟ فإذا كشف عنه غطاء جسمه واحتد بصره واستيقظ من النوم بالموت علم أن جميع ما كان يراه في عالم الحس في اليقظة بمثابة الرؤيا وأن ما هو عليه بعد الموت هو الأمر المعتبر في نفس الأمر وما يعلم المسكين أنه نائم هناك أيضا فإذا انتبه من ذلك النوم بنفخ إسرافيل في الصور قال : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [ يس : الآية 52 ] . وجزم بأن ما كان عليه في البرزخ من قبيل الرؤيا وما يعلم أنه في الحشر نائم بالنسبة إلى الجنة والنار ، كذلك هو في الجنة نائم بالنسبة إلى رؤية الحق سبحانه على الكثيب ، فإنه في حالة الرؤية منتبه ولا نوم بعد هذا الانتباه أبدا وهنا سر لطيف فافحص عنه وهو أن الشمس أضعاف الأرض في المقدار وأنتم ترونها على قدر الترس وأنها في كل طرفة عين تقطع مسافة عظيمة والبصر يراها ساكنة ، وأن من نظر صورته في مرآة يراها على حسب ما تكون المرآة عليه ، وما هذه المدركات معدومة من جميع الوجوه وإلا لم تدرك ولا هي موجودة من جميع الوجوه وإلا لكانت كذلك في نفس الأمر ، فلم يبق إلا أن تكون موجودة عند الإدراك لا غير ، وصح عندكم أنكم متصفون بجميع الصفات في الوجود العلمي الأزلي . وبعد أن تقررت هذه الأصول فاعلموا أن اللّه سبحانه وتعالى كما خاطبكم وأنتم موجودون في علمه بلا واسطة بقوله الأزلي وكلامه السرمدي ، كذلك تجلى لكم وأنتم موجودون في علمه فأبصرتموه ببصركم الثبوتي فظهر لكم بصوركم على اختلافها وتنوعاتها كما يبصر أحدكم الشيء الأبيض مثلا من مسافة بعيدة أسود أو أغبر وهو في نفسه على خلاف ذلك اللون ، ولا قام هذا اللون به ولا عرض له ولا تغير ذلك الشيء عما كان عليه ، وإنما ظهر هذا اللون في قوة الإدراك بواسطة ذلك الشيء والبعد عنه ، فالحق سبحانه لما تجلى لكم وأنتم موجودون في علمه لم تستطع أبصاركم الثبوتية أن تدركه على ما هو عليه لغاية بعده عنكم ، فأدركتموه على ما أنتم عليه فما أدركتم إلا نفوسكم ، وغاية ما في الباب أن تجليه كان سببا لإدراككم لأنفسكم لأنكم قبل هذا التجلي كنتم في ظلمة العدم بالنسبة إلى نفوسكم لا بالنسبة إلى الحق ، فلما تجلى لكم اللّه الذي هو نور السماوات والأرض نفّر تلك الظلمة فشهدتم نفوسكم على ما هي عليه في حضرة العلم الأزلي ، فكان ذلك الشهود تجلي عين وجودكم الخارجي ، ولا معنى للوجود الخارجي إلا هذا ، ولا تنكروا قولنا إن الحق تجلى لكم وأنتم موجودون في علمه فأبصرتموه لأن نفس التجلي والرؤية ممكن عقلا وشرعا وكشفا لأن الرؤية في الآخرة لا شك فيها وقد