عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
27
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار
مقدمة اعلم نوّر اللّه بصيرتك أن الممكن هو الذي لا يقتضي الوجود ولا العدم لذاته بل لغيره ، والواجب هو الذي يقتضي الوجود لذاته ولا يصح أن يكون أزيد من واحد ، والمحال هو الذي يقتضي العدم لذاته . فالواجب لا يصح أن يكون عين الممكن ولا عين المحال ، والمحال لا يصح أن يكون عين الممكن البتة . هذا لا يقول به من شم رائحة من العلم فكيف يقول به أهل اللّه وخاصته ؟ واعلم أنّا نظرنا في الواجب سبحانه فوجدنا وجوده عينه لأنه لو كان غيره لكان من المحالات أو الممكنات فيلزم من هذا ما لا يقول به إلا معتوه ، فعلمنا أنه سبحانه عين الوجود لا غيره ، ونظرنا في الممكنات فوجدناها لم تكن ثم كانت فعلمنا أن لعدمها تقدما على وجودها وعلمنا أنه سبحانه كان ولا هي ، وساعدنا على ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 1 » ، ونظرنا في العدم فوجدناه ما هو بأمر زائد على ذات المعدوم حتى يقوم به كما قامت الصفة بالموصوف ، ونظرنا في أنفسنا فوجدناها موجودة ، فقلنا نحن كنا قبل هذا من جملة المعدومات ونحن الآن متصفون بالوجود ، ومفهوم الوجود واحد لا تعدد فيه وقد صح عندنا أنه عين الواجب ، فلا يجوز أن يخلق الواجب مثله حتى يكون قد خلق وجودا وجعله صفة لنا ولو كان فهو واحد منا والكلام فيه مثل الكلام فينا ، وإن كان من جملة المعدومات كما يقول به بعض الناس ، فلا بد أن يعرض لنا حتى نوجد وإلا فنحن على حالنا في العدم ، ولا معنى لعروض معدوم لمعدوم في الخارج ، وإن كان عروضه لنا في الذهن لا في الخارج ، فنحن على حالنا في الخارج ما شممنا رائحة من الوجود ، ولا أثر الفاعل إلا في ذواتنا فذواتنا مجعولة في الخارج والخارج ظرف لها لا لوجودها ، ولا يجوز أن ينفصل من الواجب قطعة من الوجود فتقوم بنا ، ولا يجوز أن نقوم بالواجب حتى
--> ( 1 ) العجلوني ( كشف الخفاء ، حديث رقم 2009 ) طبعة دار الكتب العلمية .