محمد بن احمد الأطعاني البسطامي

62

روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الجنيد البغدادى وإبي يزيد طيفور

أما ترى الأنهار تجري [ ق 23 / ب ] ولها دويها وخرير حتى إذا دنت من البحر وامتزجت به سكن خريرها ودويّها ولم يحس بها البحر ، ولا زادت فيه ، ولا إن خرجت يتأثر بها ، ثم قال : مثلك في الرجال كمثل السيل والبحر لأن السيل ما دام وحده يتهادى في جريه ، ويخرر في صوته ، فإذا دنا من البحر وامتزج به يسكت فورته وخريره ، فلا يحسن به البحر ولا زاد فيه ولا نقص إذا استدبر عنه « 2 » . أهدى ذو النون المصري إلى أبي يزيد قدس اللّه روحيهما مصلى فلم يقبله ، وقال للرسول : قل لذي النون : إن هذا يصلح لمثلك لتصلي عليه ، وقال : فبعث ذو النون ثانيا إليه بوسادة قد كان أبلغ في تجويدها فلما أتاه الرسول . قال : ارجع إليه بهذه ، وقل له : من كان هو وسادته لا يشتغل بوسادتك ، وكان هذا في آخر عمره حيث ذاب وذل ولم يبق منه إلا الجلد والعظم . وكان مشايخ ناحية بسطام من أصحاب أبي يزيد يحدثون عنه ، أنه قال : كان ابتداء أمري أن أقامني الحق تعالى على أبواب العلماء وصحبة المتعلمين دهرا طويلا ، فلما استكثرت من أنواع العلوم جعلت نفسي تحدثني : إنك قد علمت وعرفت والعارف والعالم في أعلى المراتب ، فأشرف بي الحق تعالى حتى رأيت ازدحام العلماء والعارفين ، فلم أر لنفسي معهم موضع قدم ، فتلاشيت وانصرفت ولم أصل إلى الحق ، فقلت : العلم والمعرفة من غير حقيقة حجة ، وكان عندي أن الحقيقة في العلم والاجتهاد ، فأقامني الحق تعالى مع المصلين في الجماعة والمحاريب دهرا طويلا حتى لم يكن يفوتني مع الإمام التكبيرة الأولى فأشرف بي الحق تعالى حتى أراني [ ق 24 / أ ] ازدحام المصلين الراكعين الساجدين على الباب ، فلم أر لنفسي موضع قدم معهم فتلا شيت وانصرفت ولم أصل إلى الحق تعالى ، فأقامني مع الصائمين دهرا طويلا ، ثم أشرف ازدحام الملبين المحرمين الفجاجين الثجاجين من كل فج عميق قاصدين إليه ، فلم أر لنفسي معهم موضع قدم فتلاشيت وانصرفت ، ولم أصل إلى الحق ، فأقامني مع المجاهدين أضرب معهم بالسيف في وجوه أعدائه دهرا طويلا ، ثم أشرف بي حتى أراني

--> ( 2 ) في النور ( ص 87 ) .