مجموعة مؤلفين
214
النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر
--> - بصر العبد بما لم يقم به ، وسمع بما لم يقم به فكان الحق سمعه ، وبصره وهكذا في مسألتنا قرب الفرائض ، والمناسبة بين القربين ظاهرة ، وهي منشأ القياس بلا فارق ، فافهم . فلهذا سمّي إنسانا : أي لهذا الإبصار سمّي الإنسان إنسانا ، وهو فعلان صيغة مبالغة للمبالغة فيه ، فما كل عين ناظر لهذه المرتبة إلا عين الإنسان ، ولولا إنسان العين ما نظرت عين الإنسان ، فبالإنسان نظر إلى الإنسان ، كما أن المرآة إن كانت تامة الخلق مجليّة ، فلا تكمل إلا بتجلّي صورة الإنسان الناظر الذي هو العلة الغائبة فافهم . قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : إن الأناسيّ ثلاثة : الإنسان الأول الكل الأقدم ، والإنسان العالم وهو الإنسان الكبير والإنسان الآدمي ، فانظر ما هو أتم من هذه الثلاثة ، انتهى كلامه . ( فإنه به نظر إلى خلقه فرحمهم ) : أي الحق بالإنسان نظر إلى خلقه ، فرحمهم كما جاء في الخبر الصحيح : « فبهم يرحمون واللّه الرحمن الرحيم » . أما ترى أن موسى عليه السّلام وعلى نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم كيف طلب شرح الصدر ، ووزارة الأخ وهو رحمة ، ثم أعقبه بقوله : إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً [ طه : 35 ] فما رحمهما إلا بعد أن بصرهما بهما ، فالعبد آله الرب للإبصار ، وهذا من مقام قرب الفرائض ، فأوجب المعنى كلمة لغير من قام به . ومن هنا برقت بارقة لمن قال من أهل النظر : إن البارئ مريد بإرادة حادثة لم تقم به تعالى ؛ لأنه ليس محل الحوادث ، فخلق الإرادة لا في محل ، فأراد بها ، فأوجبت الإرادة حكمها لمن لم يقم به ، كما ظنّت المعتزلة في الكلام ، وأمّا الذي يرى أن المعاني لا توجب إلا لمن قامت به ، طرأ عليه الغلط لكونه أثبت الصفات أعيانا متعددة وجودية ، لا تقوم بنفسها ، بل تستدعي موصوفا بها ، تقوم به فيوصف بها فلو علم أن ذلك كله نسب وإضافات لا عين لها في عين واحدة ، تكون تلك بالنسبة إلى كذا عالمة وإلى كذا قادرة ، وإلى كذا غنيّة ، وإلى كذا عزيزة ، هكذا سائر الصفات والأسماء ، فيهون أمثال هذا عليه . أما سمعت خبر : « كنت سمعه وبصره » ، فالعبد هو الرائي ببصره ، والبصر هوية الحق ، وكذلك السمع لا حال ولا محل ، فإنه تعالى لا يحل في شيء ، ولا يحل فيه شيء ، ولا بدّ من عين العبد ، ولا بد من عين هوية الحق ، فرأى بغير ما قام به فافهم ، فإنه من مشكلات هذا الفن ، ذكرتها بالتقريب . [ انظر : حكم الفصوص وحكم الفتوحات ( ص 253 ) بتحقيقنا ] .