مجموعة مؤلفين

181

النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر

أمّا كون حقيقته تعالى لا تدرك بالعقول ، فهو مسلّم عند كل أحد ، إلا أنه تعالى من حيث ألوهيته تقع عليه المعرفة ، قال تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد : 19 ] ، وهكذا الوجود المطلق الحق ، فإن شأنه شأن المعرفة وعدم المعرفة ، فهو من حيث ذاته ، وقطع النظر عن تعيناته ، فالجهل به واقع ألبتّة كما تقدّم عند البحث عن المرتبة الأحدية الذاتية ، وإنه من حيث ظهوراته في مظاهره الكونية ، فالعلم به واقع عقلا وكشفا ، وذوقا وشرعا ، هذا إن جرينا على أن الوجود نفسه ؛ هو الحق تعالى من غير تأويل . وأمّا إذا اعتبرنا التأويل السابق من أن مراد القوم من قوله : إن الوجود هو الحق أي : يعبّرون عن الواجب تعالى بالوجود من حيث هو هو ، فلا إشكال ، ولا إيراد على أن كون الوجود المراد أعرف الأشياء ، يؤيد بأنه هو الحق تعالى ، فإنه سبحانه وتعالى أخبر عن ذاته الواحدية في القرآن العظيم : بأنه الظاهر ، وبأنه النور ، وهذان أعرف الأشياء ، فكان المانع من معرفته ، والحالة هذه جدية ظهوره كالشمس قال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] ، فإنه بالنور تظهر الأشياء . وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول في دعائه : « اللّهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا » « 1 » ، والحديث في صحيح البخاري ، وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [ الأنعام : 122 ] ، فإنه بهذا النور يفرّق بين الحق والباطل المكون ، وهذا المقام غير مقام : « والعجز عن درك الإدراك إدراك » . وإنه صلى اللّه عليه وسلم لّما سئل : « هل رأيت ربك ؟ فقال : نور أنى أراه » « 2 » استبعادا عن رؤيته تعالى ، وما ذلك إلا لشدة الظهور وحدّته .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2327 ) ، ومسلم ( 1 / 525 ) ، وأبو داود ( 2 / 44 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 1 / 161 ) ، وأحمد ( 5 / 157 ) ، وابن حبان في صحيحه ( 1 / 254 ) .