محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
86
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ورعهم ورعهم عن أن تفتنهم الدنيا أو ترفعهم الآخرة ، تورّعوا عن الدنيا وفاء ، وعن الوقوف مع الآخرة صفاء ، قال الشيخ عثمان بن عاشوراء : « خرجت من بغداد أريد الموصل فأنا أسير ، وإذا أنا بالدنيا قد عرضت لي بعزّها وجاهها ورفعتها ومراكبها وملابسها ومزيّناتها ومشتهياتها فأعرضت عنها ، فعرضت عليّ الجنة بحورها وقصورها وأنهارها وثمارها فلم اشتغل بها ، فقيل لي : يا عثمان ، لو وقفت مع الأولى لحجبناك عن الثانية ، ولو وقفت مع الثانية لحجبناك عنا ، فها نحن لك ، وقسطك « 1 » من الدارين يأتيك » . وقال الشيخ عبد الرحمن المغربي ، وكان مقيما بشرقيّ الإسكندرية : « حججت سنة من السنين ، فلما قضيت الحج عزمت على الرجوع إلى الإسكندرية ، فإذا عليّ قائل يقول لي : إنك في العام القابل عندنا ، فقلت في نفسي : إذا كنت بالعام القادم هاهنا فلا أعود إلى الإسكندرية ، فخطر لي الذهاب إلى اليمن فأتيت إلى عدن فإنا يوما على ساحلها ، وإذا بالتجار قد أخرجوا بضائعهم ومتاجرهم ، ثم نظرت فإذا رجل فرش سجادته على البحر ومشى على الماء ، فقلت في نفسي : لم أصلح للدنيا ولا للآخرة ، فإذا العليّ يقول لي : من لم يصلح للدنيا ولا للآخرة يصلح لنا » . وقال الشيخ أبو الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه : « الورع نعم الطريق لمن عجّل ميراثه وأجّل ثوابه » فقد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من اللّه وعن اللّه ، والقول باللّه ، والعمل للّه وباللّه وعلى البينة الواضحة والبصيرة الفائقة « 2 » ، فهم في عموم أوقاتهم وسائر أحوالهم لا يدبّرون ولا يختارون ، ولا يريدون ولا يتفكرون ، ولا ينظرون ولا ينطقون ، ولا يبطشون ولا يمشون ولا يتحركون إلا باللّه ، وللّه من حيث يعلمون ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فهم مجموعون في عيد الجمع لا يتفرقون فيما هو أعلى ولا فيما هو أدنى . وأما أدنى الأدنى فاللّه يوزعهم عنه ثوابا لورعهم مع الحفظ لمنازلات الشرع عليهم ، ومن لم يكن لعلمه وعمله ميزان فهو محجوب بدنيا ، أو مصروف بدعوى ، وميراثه التعزر « 3 » لخلقه والاستكبار على مثله ، والدلالة على اللّه بعمله فهذا هو الخسران المبين ، والعياذ باللّه العظيم من ذلك ، والأكياس يتورّعون عن هذا الورع ويستعيذون باللّه منه ، ومن لم يزدد بعلمه وعمله احتقارا لنفسه ، وافتقارا لربّه ، وتواضعا لخلقه فهو هالك ، فسبحان من قطع كثيرا من الصالحين بصلاحهم عن مصلحهم ، كما قطع كثيرا من المفسدين بفسادهم عن موجدهم ، فاستعذ باللّه إنه هو السميع العليم » . قال : فانظر -
--> ( 1 ) قسطك : نصيبك وحصتك . ( 2 ) الفائق : الجيد من كل شيء والممتاز على غيره من الناس ( ج ) فوقة . ( 3 ) تعزز : صار عزيزا ، وتقوى بعد ذلة .