محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

87

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فهّمك اللّه سبيل أوليائه ؛ ومنّ عليك بمتابعة أحبائه - هذا الورع الذي ذكره الشيخ رضي اللّه عنه هل كان يصل فهمك إلى مثل هذا النوع من الورع ؟ ألا ترى قوله : « قد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من اللّه وعن اللّه ، والقول باللّه ، والعمل للّه وباللّه على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة ، فهذا هو ورع الأبدال والصدّيقين لا ورع المنقطعين الذي ينشأ عن سوء الظن وغلبة الوهم » انتهى . وإنما أوردنا هذه المعاني هاهنا تتميما للفائدة المتعلقة بكلام صاحب « التنوير » من كون الورع مقابلا للطمع ، وسيأتي مزيد بيان فيها في موضع أنسب من هذا عند قوله : « لا تمد يدك إلى الإخذ من الخلائق . . . إلخ ) » فانظره فيه . ما قادك شيء مثل الوهم . الوهم : أمر عدمي ، وهو ضد الحقيقة الوجودية ، والنفس الناقصة انقيادها إلى الأمور الوهمية الباطلة أشد من انقيادها إلى الحقائق الثابتة ؛ لوجود المناسبة بينهما . والطمع في الناس انقياد إلى الأوهام الباطلة ، لأن الطمع تصديق الظنّ الكاذب ، والطمع فيهم طمع في غير مطمع ، وأرباب الحقائق بمعزل عن هذا فلا تتعلّق هممهم إلا باللّه ، ولا يتوكلون إلا عليه ، ولا يثقون إلا به ، قد سقط اعتبار الأوهام والخيالات التي هي متعلّقة بالأغيار عن قلوبهم ، فزال عنهم الطمع فاتصفوا بصفة القناعة والورع ، فكانت لهم الحياة الطيبة والعيشة الراضية . والقناعة مقام عظيم من مقامات اليقين ، وهي من بدايات أحوال الراضين . قال بعض العارفين : « لا يكون العبد قانعا حتى لو جاء إلى باب منزله جميع ما يرغب فيه أهل الدنيا من الاتساع والنعمة فعرض عليه لم ينظر إلى ذلك ولم يفتح له بابه قناعة منه بحاله » وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في معنى قوله تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] قال : هي القناعة . أنت حر مما أنت عنه آيس ، وعبد لما أنت فيه طامع . الطمع في الشيء دليل على الحب له وفرط الاحتياج إلى نيله ، وذلك عبودية له ، كما أن اليأس من الشيء دليل على فراغ القلب منه وغناه عنه ، وذلك حريّة منه ، فالطامع عبد ، واليائس حرّ ؛ ولهذا قيل : العبد حرّ ما قنع * والحرّ عبد ما طمع فاقنع ولا تطمع فما * شيء يشين سوى الطمع وقيل : « لولا الأطماع الكاذبة لما استعبد الأحرار بكل شيء لا خطر له » وقيل : « إن