محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

80

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

بينهما سجال « 1 » ، فإذا أراد اللّه نصر عبده أمدّ قلبه بجنوده ، وقطع عن نفسه مدد جنودها ، وإذا أراد خذلان عبده فعلى العكس ، فإذا مال القلب إلى العمل بأمر محمود مؤلم في الحال ملتذ به في المآل ومالت النفس إلى العمل بأمر مذموم ملتذّ به في الحال مؤلم في المآل ، وتنازعا وتقاتلا سارع النور الذي هو من أمر اللّه تعالى ورحمته إلى نصرة القلب ، وبادرت الظلمة التي هي من وساوس الشيطان وملّته إلى نصرة النفس ، وقام صفّ القتال بينهما ؛ فإن سبقت للعبد من اللّه سابقة السعادة اهتدى القلب بنور اللّه تعالى واستهان بالعاجلة ورغب في الآجلة ، وعمل بما مال إليه القلب وإن آلمه في الحال لما يرجوه من التنعّم به في المآل ، وإن سبقت له من اللّه الشقاوة ، والعياذ باللّه ، ذهل القلب عن النور ، وأعمته الظلمة عن منفعة الآجل ، واغترّ بلذّة العاجل ، وعمل بما مالت إليه نفسه ، وإن آلمه في المآل لما يحصل لها من لذّة الحال . وعند التقاء الصفّين والتحام القتال بين الجندين لا سبيل للعبد إلّا فزعه إلى اللّه تعالى ، ولياذه به ، وكثرة ذكره له وصدق توكله عليه ، واستعاذته به من الشيطان الرجيم . وهذه العبارات الخمس من قوله : ( إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا ) إلى هنا تفنن فيها صاحب الكتاب ، وكررها بألفاظ مختلفة والمعاني فيها متقاربة ، وهذه عادته في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، رضي اللّه تعالى عنه . النور له الكشف ، والبصيرة لها الحكم ، والقلب له الإقبال والإدبار . هذه ألفاظ مختلفة لمعان متغايرة ؛ فالنور يفيد كشف المعاني المغيّبات حتى تتّضح وتشاهد ، والبصيرة التي هي ناظر القلب تفيد الحكم ، وهو صحة ما شاهدته ، والقلب له الإقبال عملا بمقتضى ما شاهدته البصيرة ، وله أيضا الإدبار تركا للعمل بمقتضى ما شاهدته البصيرة . لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك ، وافرح بها لأنها برزت من اللّه إليك ، قل بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون . الفرح بالطاعة على وجهين : فرح بها من حيث شهودها من اللّه تعالى نعمة منه وفضلا ؛ فهذا هو الفرح المحمود ، وهو الذي طلب من العبد ، وذلك هو مقتضى شكرها . وفرح بها من حيث ظهورها من العبد باختياره وإرادته ، وحوله وقوّته ، فهذا هو

--> ( 1 ) السّجل : النصيب من الشيء ، يقال : الحرب بينهما سجال ( جمع سجل ) ؛ أي : النصر متداول بينهما .