محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

81

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فرح مذموم منهيّ عنه ، وهو كفران النعمة ، وهو من العجب المحبط للعمل ، فالفرح بها على هذا الوجه فرح بلا شيء ، وسيأتي في آخر الكتاب أنواع الفرح بالنعم وما يحمد منها وما يذمّ تامة مستوفاة . قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم : أما السائرون ، فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع اللّه فيها ، وأما الواصلون ، فلأنه غيبهم بشهوده عنها . فقد أسبغ اللّه نعمته على الفريقين ؛ حيث فعل معهم ذلك ، لأنه أبقاهم معه ، ولم يدّعهم لسواه ؛ فالواصلون فعل ذلك بهم طوعا منهم ، والسالكون فعل ذلك بهم كرها وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ الرعد : 15 ] . فالواصلون قطعهم عن ذلك بشهودهم له في حضرة قربه ، ومن شاهده لم يشهد معه غيره ؛ إذ محال أن يراه ويشهد معه سواه . والسالكون قطعهم عن ذلك عدم تحققهم بالصدق أو البراءة من الدعوى ، فهم أبدا متّهمون لأنفسهم في توفية أعمالهم وتصفية أحوالهم . قال النهرجوري « 1 » رضي اللّه تعالى عنه : « من علامات من تولّاه اللّه في أحواله أن يشهد التقصير في إخلاصه والغفلة في أذكاره ، والنقصان في صدقه ، والفتور في مجاهداته ، وقلّة المراعاة في فقره ، فتكون جميع أحواله عنده غير مرضيّة ويزداد فقرا إلى اللّه في قصده وسيره حتى يفنى عن كل ما دونه » . وقال أبو عمرو إسماعيل بن نجيد « 2 » رضي اللّه عنه : « لا يصفو لأحد قدم في العبودية حتى تكون أفعاله عنده كلها رياء وأحواله كلّها عنده دعاوى » . وقال أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه : « لو صفت لي تهليلة واحدة ما باليت بعدها بشيء » . وإلى هذين المقامين تشير الحكاية التي تروي عن الواسطي رضي اللّه تعالى عنه وذلك : أنه لمّا دخل نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان رضي اللّه عنه : بماذا كان يأمركم شيخكم ؟ فقالوا : كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها ، فقال : أمركم

--> ( 1 ) إسحاق بن محمد النهرجوري ( توفي سنة 330 ه - 941 م ) أبو يعقوب من علماء الصوفية نسبته إلى نهرجور . رحل إلى الحجاز ، وأقام مجاورا بالحرم سنين كثيرة ومات بمكة من كلامه : الصدق موافقة الحق في السر والعلانية ، وحقيقة الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة . ( الأعلام 1 / 296 ، والرسالة القشيية ص 438 ) . ( 2 ) إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري ( توفي سنة 366 ه - 977 م ) أبو عمرو ، زاهد عابد ، له « جزء » في الحديث ، كان ثقة وكان شيخ الصوفية في نيسابور ، توفي بمكة ، من كلامه : « من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب » . ( الأعلام 1 / 328 ، وطبقات الشعراني 1 / 103 ، والرسالة القشيرية ص 435 .